قبل أقل من عام على انتخابات 2026، يعود ملف تمويل الأحزاب السياسية إلى واجهة الجدل العمومي في المغرب، بعدما أظهرت تقارير رسمية مؤشرات مقلقة عن حجم الاختلالات التي تحيط بصرف المال العمومي المخصص للأحزاب. الحكومة، عبر وزارة الداخلية، وضعت مؤخرًا مشروع قانون جديد للأحزاب يهدف، نظريًا، إلى إرساء قواعد أكثر صرامة في مراقبة الدعم العمومي وربط التمويل بالمحاسبة. غير أن ما يبدو في ظاهره إصلاحًا إداريًا محضًا، يخفي في عمقه معركة سياسية مفتوحة بين من يرى في هذه الخطوة ضرورة لإعادة الاعتبار للنزاهة الحزبية، ومن يعتبرها آلية جديدة للضبط والتحكم في الحقل السياسي عشية استحقاقات مصيرية.
في نص المشروع الجديد، تُطرح مقاربة تقوم على “ربط الدعم العمومي بالأداء المالي والتنظيمي”، مع إمكانية تعليق التمويل أو تجميد نشاط الحزب عند الإخلال بالقانون المالي، بل وحتى حله قضائيًا في حالات العود أو التلاعب المتعمد. مشروع يبدو حازمًا على الورق، لكنه يواجه في العمق سؤالًا أعمق “هل يتعلق الأمر بإصلاح من الداخل، أم بمجرد محاولة لتلميع واجهة حزبية فقدت بريقها وثقة المواطنين فيها؟”
دعم عمومي يتحول إلى غنيمة حزبية
منذ سنة 2002، حين تقرر لأول مرة تخصيص دعم مباشر للأحزاب السياسية من ميزانية الدولة، ظل هذا النظام محل أخذ ورد. الفكرة كانت آنذاك نبيلة “تمكين الأحزاب من استقلالية مالية تتيح لها تأطير المواطنين، وتنظيم المؤتمرات، وإعداد البرامج السياسية، بعيدًا عن سطوة المال الخاص والمصالح الضيقة”. لكن ما حدث، كما تقول الأرقام، أن الهدف سرعان ما انحرف عن مساره. فبحسب تقارير المجلس الأعلى للحسابات، بلغ مجموع ما صُرف للأحزاب خلال العقدين الأخيرين أزيد من 1.8 مليار درهم (حوالي 180 مليار سنتيم)، بينما استرجعت الخزينة العامة أقل من 15 في المائة فقط من المبالغ غير المبررة.
في تقريره الأخير، كشف “مجلس العدوي” أن أكثر من ثلث الأحزاب لم تقدم حساباتها السنوية في الآجال المحددة، وأن مبالغ ضخمة — تُقدّر بعشرات الملايين — لا أثر لها في الوثائق المحاسبية. مصدر جيد الاطلاع، تحدث لـ”نيشان” مفضلا عدم الكشف عن هويته، قال إن “الأمر تجاوز حدود الإهمال الإداري، ليصبح ثقافة سياسية راسخة لدى بغض التنظيمات السياسية، حيث يُنظر إلى الدعم العمومي كغنيمة انتخابية لا كأمانة مالية”.
ما يفاقم الصورة أن هذا التسيّب المالي يقابله ضعف في المحاسبة الداخلية. فأمين المال على سبيل المثال، وفي كثير من الأحزاب لا يعدو ان يكون دوره شكليا يقتصر فقط على وضع توقيع، فيما تظل القرارات المالية الكبرى بيد الزعيم “الآمر الفعلي بالصرف” أو دائرته الضيقة. قيادي حزبي سابق يؤكد أن “الكثير من الأحزاب تصرف الدعم دون وثائق، أو تبرر مصاريفها بفواتير وهمية، وأحيانًا تُحوَّل الأموال لأنشطة انتخابية محظورة قانونًا”.
مشروع قانون جديد بين الإصلاح والمراقبة
في مواجهة هذا الواقع، جاء مشروع القانون الجديد ليقترح منح المجلس الأعلى للحسابات سلطات أوسع في التتبع والعقاب، من الحرمان من الدعم إلى المتابعة القضائية. كما يفرض المشروع نشر كل الحسابات الحزبية على موقع إلكتروني خاص مفتوح للرأي العام، وإرفاق كل عملية صرف بتفاصيل محاسبية دقيقة. لكن هذه الصرامة تواجه مقاومة صامتة داخل التنظيمات نفسها، التي ترى في الأمر مسًّا بـ”الاستقلالية الحزبية”، في حين يصفها متتبعون للشأن السياسي والحزبي بأنها الحد الأدنى من الشفافية في أي ديمقراطية.
الخبير في الاقتصاد السياسي، الدكتور سعيد آيت مجيد، يعتبر أن “أزمة تمويل الأحزاب ليست مالية فقط، بل هي سياسية في جوهرها”. ويوضح أن “الاعتماد الكامل على المال العمومي جعل الأحزاب رهينة الدولة بدل أن تكون رهينة قواعدها الشعبية. وحين يصبح التمويل أداة للبقاء، لا وسيلة للتأطير، يفقد الحزب مبرر وجوده”.
ويضيف المتحدث ذاته، أن النظام الحالي لتوزيع التمويل، الذي يعتمد على عدد المقاعد والأصوات المحصل عليها، يكرّس منطق المكافأة الانتخابية بدل تشجيع المردودية الديمقراطية. ويقترح أن يُربط الدعم بمعايير نوعية مثل عدد الأنشطة التأطيرية، والمبادرات التشريعية، وعدد تقارير التقييم السياسي التي يقدمها الحزب للرأي العام. “في فرنسا مثلًا، تُصرف التمويلات العمومية بناءً على أداء الحزب في البرلمان وعدد النساء المترشحات في لوائحه الانتخابية، بينما في تونس تُربط التمويلات بمشاريع محددة خاضعة للمراقبة، وفي لبنان يُموَّل فقط ما يتعلق بالحملات الانتخابية بعد تقديم فواتير مصادق عليها من وزارة المالية”.
لكن الواقع المغربي، كما يرى خبراء آخرون، لا يسمح حاليًا بتطبيق هذا النموذج دون إصلاح تنظيمي أعمق. فالأحزاب اليوم، باستثناء قلة محدودة، فقدت مؤسساتها الجهوية والقطاعية، ولم تعد تملك مدارس تكوين سياسية، فيما تحولت مقراتها إلى فضاءات مغلقة لا يُطرق بابها إلا في مواسم الانتخابات. أحمد مرون الباحث في علم الاجتماع السياسي يختصر الصورة بالقول “المشكل ليس في الدعم، بل في من يأخذ الدعم. لدينا أحزاب بلا مشروع، ومشاريع بلا حزب”.
أزمة ثقة تهدد الديمقراطية التمثيلية
الأمر لا يقتصر على التدبير المالي فقط، بل يمتد إلى البنية الذهنية التي تحكم علاقة الحزب بالدولة والمجتمع. فالمواطن العادي بات يرى في الدعم العمومي تبذيرًا لماله، وليس استثمارًا في ديمقراطيته. استطلاعات رأي محدودة أجرتها مراكز مغربية بين 2023 و2024 أظهرت أن أكثر من 70 في المائة من المستجوبين لا يثقون في الأحزاب، وأن 60 في المائة يعتبرونها “تعيش على حساب الدولة دون فائدة ملموسة”. هذا التآكل في الثقة يعكس — في العمق — أزمة تمويل بقدر ما يعكس أزمة تمثيلية.
في الدار البيضاء، يقول أحمد وهو من شباب “جيل زيد” بنبرة ساخرة: “الأحزاب لا تمثلنا، لكنها تأخذ الدعم باسمنا. نحن نمول مؤسسات لا نعرف حتى ماذا تفعل”. مثل هذه المواقف والتصريحات، وإن بدت عفوية، تختزل المأزق الأخلاقي الذي تواجهه السياسة في المغرب اليوم، فالمال موجود، لكن الإيمان بالجدوى السياسية غائب.
ويبدو أن وزارة الداخلية تراهن على أن القانون الجديد سيعيد الانضباط إلى الحقل الحزبي. غير أن السؤال الأكبر هو، من سيراقب المراقب؟ فالمجلس الأعلى للحسابات، رغم جرأته النسبية، يفتقر إلى آليات إلزامية لتنفيذ ملاحظاته. التقارير تُنشر، والمخالفات تُسجَّل، لكن العقوبات نادرًا ما تُفعّل. حتى الأحزاب التي لم تُعدّ حساباتها لأكثر من سنتين متتاليتين، مازالت تتلقى الدعم دون انقطاع.
مصدر حزبي بارز، رفض الكشف عن اسمه، قال إن “الداخلية تعي أن المشكل ليس قانونيًا فقط، بل سياسي بامتياز. فالتشديد في المراقبة المالية قد يؤدي إلى تفجير الخريطة الحزبية، لأن عددا كبيرا من الأحزاب الصغيرة ستجد نفسها عاجزة عن التكيّف مع المعايير الجديدة”. وأضاف أن “النقاش الدائر حاليًا يدور حول منطق التدرّج، أي تطبيق الإصلاح على مراحل، تفاديًا لفراغ سياسي عشية الانتخابات”.
في المقابل، تعتبر فعاليات من المجتمع المدني أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يذهب أبعد من مجرد ربط التمويل بالمحاسبة، إلى إعادة تعريف وظيفة الحزب نفسها. فالدعم العمومي، في نظرها، يجب أن يُمنح بناءً على مشاريع ملموسة ذات أثر اجتماعي وسياسي قابل للقياس. يقول محمد السالمي الفاعل الحقوقي والجمعوي بمدينة المحمدية، “لو كان الدعم مرتبطًا بمشاريع محددة، لكان بإمكاننا محاسبة الحزب على نتائجها. أما الآن، فالأموال تُصرف في فراغ تنظيمي بلا أثر قابل للتقييم”.
على الجانب الآخر، تُظهر تجربة فرنسا أن التمويل العمومي يمكن أن يكون رافعة للديمقراطية لا عبئًا عليها. فهناك، يُمنح الدعم على أساس مزدوج “النتائج الانتخابية من جهة، واحترام مبدأ المساواة الجندرية والشفافية المالية من جهة أخرى، ومن يخالف هذه القواعد يُعاقب بصرامة قد تصل إلى الحرمان الكلي من التمويل. في تونس، ورغم هشاشة التجربة، فرضت الدولة منذ 2014 نظامًا يجعل التمويل مرتبطًا بالبرامج القابلة للتنفيذ، مع متابعة دقيقة من ديوان المحاسبة. أما في لبنان، فتُقدَّم المساعدات المالية فقط لتغطية نفقات الحملات الانتخابية، وتُراجع جميع الفواتير بعد انتهاء العملية الانتخابية، وهو ما قلّص فرص التلاعب وإن بشكل نسبي.
في المغرب، مازال هذا النموذج بعيد المنال. فحتى اليوم، مازالت بعض الأحزاب تتعامل مع المحاسبة المالية كطقس شكلي، وتعتبر المجلس الأعلى للحسابات مجرد “مراقب رمزي”. كما أن وزارة الداخلية، التي تملك سلطة صرف الدعم، لم تُفعّل بعد نظامًا إلكترونيًا شفافًا يتيح تتبّع العمليات في الزمن الحقيقي.
وتحذر مصادر مطلعة، من أن تجاهل هذا الملف عشية الانتخابات المقبلة سيكون مكلفًا سياسيًا. فالتنافر بين الدعم العمومي والتمثيلية الشعبية قد يتحول إلى أزمة ثقة أوسع في المؤسسات برمتها. يعلق الحقوقي “محمد السالمي” إن “المغاربة لا يطلبون الكثير من الأحزاب، فقط أن تكون صادقة في نفقاتها، وأن تبرر درهمًا بدرهم. حين يرى المواطن أن المال العام يُصرف في الإعلانات والولائم بدل التكوين السياسي، فإن صندوق الاقتراع يفقد معناه”.
ورغم موجة الغضب المتصاعدة، يراهن البعض على أن مشروع القانون الجديد يمكن أن يشكّل نقطة تحول، إذا ما اقترن بإرادة سياسية حقيقية في التنفيذ. فالمسألة، في النهاية، لا تتعلق فقط بالتمويل، بل بمستقبل الديمقراطية نفسها. الأحزاب التي لا تملك موارد نظيفة ولا إدارة شفافة، لا يمكنها أن تفرز نخبًا نظيفة أو تضمن انتخابات نزيهة.







