عاد شبح التنظيمات الإرهابية ليخيّم من جديد على منطقة الساحل الإفريقي، في مشهد يعيد إلى الأذهان حادث اختطاف أربعة سائقين مغاربة على يد عناصر تابعة لتنظيم “داعش” شمال مالي مطلع يناير الماضي، قبل أن يتم تحريرهم في غشت المنصرم إثر تنسيق أمني محكم بين الأجهزة المغربية ونظيرتها المالية.
فبعد أشهر قليلة على تلك العملية، أعلنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” الموالية لتنظيم القاعدة مسؤوليتها عن اختطاف ثلاثة مواطنين مصريين غربي مالي، في واقعة جديدة تؤكد هشاشة الوضع الأمني في هذا البلد الذي تحول إلى بؤرة للفوضى المسلحة.
الجماعة المتشددة كشفت عبر منصاتها الدعائية أن المختطفين الثلاثة، ومن بينهم رجل أعمال مصري، جرى احتجازهم على الطريق الرابط بين سيغو وباماكو، مطالبة بفدية مالية ضخمة تصل إلى خمسة ملايين دولار مقابل إطلاق سراحهم، متهمة الضحايا بالتعاون مع سلطات باماكو التي تصفها بأنها “تابعة للاحتلال الروسي” في إشارة إلى الشراكة الأمنية بين الحكومة المالية وقوات “فيلق إفريقيا” التابعة لموسكو.
السلطات المالية لم تصدر إلى حدود مساء السبت أي بيان رسمي بشأن الحادث، بينما أكدت مصادر دبلوماسية في باماكو أن السفارة المصرية توصلت بإشعار رسمي بالاختطاف، وأن وحدات من الجيش المالي بدأت عمليات تمشيط أولية في المنطقة التي شهدت الحادثة، دون نتائج ملموسة حتى الآن.
وتأتي هذه العملية في سياق تصعيد واسع تشنه جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” لفرض حصار اقتصادي وأمني على العاصمة باماكو، حيث أدى قطع الطرق الرئيسية إلى نقص حاد في المواد الأساسية والوقود، وتوقف الدراسة في عدد من المدن، فضلاً عن ارتفاع الأسعار بنسبة تجاوزت 200 في المئة. وتشير تقارير إلى أن الجماعة باتت تسيطر على نحو 80 في المئة من إنتاج الذهب في منطقة كايس، وتستخدم عائداته لتمويل عملياتها المسلحة وشراء الأسلحة.
وشهدت مالي خلال الأشهر الماضية تصاعداً غير مسبوق في وتيرة عمليات الاختطاف التي تستهدف الأجانب، إذ اختُطف خمسة هنود يعملون في مشروع كهربائي قرب باماكو، وأربعة صينيين في مناطق تعدين الذهب، إضافة إلى إيراني ومبشر أميركي في حوادث منفصلة. وبذلك يرتفع عدد عمليات الاختطاف التي طالت رعايا أجانب في منطقة الساحل إلى أكثر من 23 عملية منذ مطلع العام، غالبيتها لأسباب مالية وابتزازية.
هذا التصعيد الأمني المتسارع أثار قلق المجتمع الدولي، ودفع عدداً من الدول، بينها فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، إلى دعوة رعاياها لمغادرة مالي “في أقرب وقت ممكن” خشية اتساع رقعة الانفلات. بينما حذرت منظمة العفو الدولية من أن منطقة الساحل “تقترب من كارثة إنسانية”، في ظل نزوح أكثر من 440 ألف شخص داخلياً خلال الأشهر الأخيرة.
وبينما تتعثر جهود الاستقرار في مالي منذ الانقلاب العسكري قبل ثلاث سنوات، يزداد نفوذ الجماعات المتطرفة يوماً بعد يوم، ما يجعل خطر الاختطاف والعمليات المسلحة قائماً في أي لحظة، وهو ما يعيد إلى أذهان المغاربة تجربة سابقيهم من السائقين الذين عاشوا تحت تهديد “داعش” قبل أن تنجح الجهود المغربية في إعادتهم سالمين إلى أرض الوطن، في واحدة من أبرز عمليات التنسيق الأمني بين الرباط وباماكو خلال السنوات الأخيرة.







