مازالت صورة الدخول المدرسي بمديرية التعليم بمراكش، كما ترسمها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان – فرع المنارة، بعيدة عن الخطاب الرسمي المتفائل الذي تتبناه الجهات التربوية. ففي تقرير مطول صادر عنها، قدمت الجمعية تقييماً مقلقاً لواقع التعليم بالمدينة الحمراء، معتبرة أن “الحق في التعليم لم يعد امتيازاً تمنحه الدولة، بل التزاماً سياسياً وحقوقياً واجب الضمان”.
التقرير، الذي أنجز بحسب المصدر ذاته، بناءً على رصد ميداني وشهادات من أسر وتربويين، يضع المنظومة التعليمية تحت مجهر المساءلة الحقوقية، كاشفاً عن فجوة عميقة بين الالتزامات الدستورية والواقع الفعلي داخل المؤسسات. وأكد فرع المنارة أن الدولة “تتراجع بشكل ممنهج عن أدوارها الاجتماعية”، وتتعامل مع التعليم كخدمة قابلة للتفويت للقطاع الخاص بدل أن تكون “حقاً مضمونا للجميع”.
وأشار التقرير إلى أن الصياغة الدستورية الحالية والقانون الإطار 51.17 يكرسان هذا التوجه، إذ يضعان الدولة في موقع “الميسر” لا “الضامن الفعلي”، وهو ما اعتبرته الجمعية تراجعاً خطيراً عن روح الدستور والمواثيق الدولية. كما انتقد التقرير غياب إلزامية مجانية التعليم، وضعف آليات المحاسبة والمراقبة، واستمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية، خاصة في المناطق الهامشية والقروية.
وفي ما يخص البنية التحتية، رصدت الجمعية تأخر افتتاح مؤسسات تعليمية مبرمجة منذ سنوات، أبرزها الثانوية التأهيلية “توبقال” بدوار إزيكي التي توقفت أشغالها منذ 2021، والثانوية “أحمد بن حنبل” بسيدي الزوين التي لم تُدرج بعد ضمن خريطة التمدرس. كما أشار التقرير إلى أن مؤسسات حديثة البناء مثل “أنوال” ما تزال تفتقر إلى الربط بالماء والكهرباء والأنترنيت، مما يحول دون استيعابها للأعداد المتزايدة من التلاميذ.
ووفق التقرير ذاته، فإن الاكتظاظ بلغ مستويات “غير مسبوقة” في بعض الثانويات، إذ تجاوز عدد التلاميذ في القسم الواحد 46 تلميذا، بينما تم تحويل قاعات الإعلاميات والخزانات إلى حجرات دراسية لتعويض الخصاص. كما سجلت الجمعية “خصاصاً مهولاً” في الأطر التربوية والإدارية، حيث تشتغل مؤسسات بدون مديرين أو ملحقين، مما أربك عمليات التسجيل والتدبير التربوي.
وفي محور الدعم الاجتماعي، نبه التقرير إلى تأخر صرف المنح الدراسية وضعف جودة الوجبات داخل الداخليات، وغياب النقل المدرسي في جماعات مثل السويهلة وسيدي موسى وأولاد دليم، ما يجبر التلاميذ على قطع مسافات طويلة في ظروف غير آمنة. كما حذر من “هيمنة الاعتبارات الانتخابية” على تدبير خدمات النقل، وتغاضي السلطات عن مراقبة الجمعيات المفوض لها تدبير هذا القطاع.
أما على مستوى الأمن المدرسي، فقد وثق فرع الجمعية حالات عنف وتحرش ومخدرات في محيط عدد من المؤسسات، وغياب تدخلات أمنية وقائية، إضافة إلى ضعف حضور الأطر النفسية والاجتماعية وغياب خلايا الإنصات داخل المدارس. كما رصد استمرار “الإقصاء الممنهج” للأطفال في وضعية إعاقة، الذين يحرم نصفهم تقريباً من التمدرس، إلى جانب فرض رسوم على خدمات المرافقة، وغياب الولوجيات والتجهيزات الملائمة.
ولم يسلم مشروع “مؤسسات الريادة” من النقد، حيث وصفه التقرير بأنه “مشروع بلا مضمون حقوقي”، بسبب تأخر الدعم التربوي وغياب التجهيزات الأساسية ورداءة الوجبات داخل مراكز التكوين، فضلاً عن غياب الشفافية في الصفقات العمومية.
وفي جانب آخر، سلط التقرير الضوء على أوضاع أطفال المهاجرين الذين ما زالوا يعانون من عراقيل إدارية وتمييز مؤسساتي يحول دون ولوجهم المتكافئ إلى التعليم، رغم الالتزامات الدولية للمغرب.
واختتمت الجمعية تقريرها بدعوة صريحة إلى “مراجعة جذرية للسياسات التعليمية” تعيد للدولة دورها كضامن للحق في التعليم، مع تفعيل آليات المراقبة والمساءلة، وإشراك الفاعلين النقابيين والحقوقيين في صياغة السياسات العمومية. كما طالبت بإصلاح بنيوي يضمن تعليماً عمومياً، مجانياً، دامجاً وآمناً، يكرس العدالة الاجتماعية ويصون كرامة المتعلمين والأطر التربوية.







