في المغرب، لا أحد يموت من الفقر… لكن لا أحد ينجو منه أيضًا.
السياسة الاجتماعية بالنسبة للحكومة صارت مثل “أنبوب أوكسيجين”، يُبقي المواطن على قيد الحياة كي لا يحرجها بالأرقام، لا أكثر. “الدعم المباشر” أو ذاك الُفتات الذي يُقدَّم فيه الفقر على شكل تحويل بنكي، بشرط أن تظل فقيرًا بما يكفي لتستحقّه، وأن تُثبت للحكومة أنك لا تزال في أسفل الهرم، مخلصًا للفاقة، مقيمًا في قاع البئر بتصريح قانوني. من لا يملك شيئًا — لا أنترنت، لا “بيكالا”، لا موطور، لا تلفون، لا هم يحزنون — يُعطى القليل، أما من يطمح لشيء، فيُعاقب بحجة أنه “ماشي مزلّوط بما فيه الكفاية”.
في صورة شهيرة غزت مواقع التواصل الاجتماعي، رجلٌ يمد يده لإنقاذ آخر في حفرةٍ سحيقة، بينما السلم بجانبه. هذه ليست لوحة سريالية من أعمال سلفادور دالي، بل يمكن اعتبارها ملصقًا رسميًا لسياسة الدولة الاجتماعية على عهد حكومة الملياردير أخنوش. الحكومة تمد يدها بالكاميرا، وتترك السلم في المخزن. اليدُ للعرض، والسلم “ما كاين لاش”.
منذ سنوات، ونحن نسمع العبارة ذاتها..“المواطن أولاً”. لكن أحدًا لم يخبرنا في أي ترتيبٍ يأتي هذا “الأول”. الأول في الخطابات أم في الطوابير؟ الأول في الشعارات أم في “خليان دار بونا”؟ أم لعلّه الأول في لائحة المستفيدين من الدعم بشرط ألا يتحسن وضعه أبدًا؟.
الأحزاب السياسية بدورها تلعب دور “سبارتاكوس المنقذ”. كل حزبٍ يأتي نافخًا أشداقه ليعلن أنه يملك الحل.. مليون منصب شغل، رفع معدل النمو إلى سبعة في المائة، بطاقة رعاية، الولوج إلى الصحة في ثلاثة أيام وبدون معلم. البعض اقترح “تعويضات مالية” لمن يفوق سنه خمسين سنة، وإن لم يفعل فليرجموه بالحجر، والبعض الآخر — من اليساريين تحديدًا — يتحدث عن “إعادة توزيع الثروة”، وآخرون يريدون “مواكبة الفقراء”. الجميع يتحدث بلسان الرحمة والحنان، لكن أحدًا لا يجرؤ أن يقول إن المشكلة ليست في توزيع المال، بل في غياب العمل. الدولة تُفضّل أن تشتري الهدوء بالدريهمات بدل أن تزرع الأمل بالفرص.
البرلمان يناقش الفقر كما يناقش درجات الحرارة لدى مريض بـ “السّْخانة الباردة”.. “هل ارتفع مؤشر البطالة؟ هل نزل معدل النمو؟ هل بلغت نسبة التضخم المستوى المتوقع؟” وكأن المواطن مجرد معادلة في تقرير البنك الدولي.
أما المعارضة، فتمارس رياضة وطنية اسمها “التنديد بالوضع الاجتماعي”، ثم تسارع إلى تقديم نفس الوصفات والمخططات والبرامج حين تصل إلى الحكومة. كأن الجميع متفقون على توزيع الأدوار..”شي يكوي وشي يبخ”.. “شي يمد، وشي يكمّد”.
الدعم الحقيقي، لو كانوا صادقين، لا يحتاج إلى منصة رقمية، بل إلى منصة كرامة. مدرسة عمومية لا تُهين من يدخلها، تكوين مهني مرتبط بسوق الشغل لا بالبطالة، قطاع خاص يُشغّل المواطن لا أن يأخذ الإعفاءات والتمويلات من هنا ويدفع الأجير بقدمه إلى الباب من هناك. الدعم الحقيقي هو مشاريع إنتاجية تُخرج المواطنين من الطوابير لا أن تُنظّمها. لكن كل هذا صعب، ومكلف، ولا يُمنح عليه “لايكات” على فيسبوك و أنستغرام.
الدولة التي تتباهى بـ“الدعم المباشر” نسيت أن التنمية لا تُسكب في الحسابات، بل تُبنى في العقول والمصانع والمدارس. نسيت أن مساعدة المواطن لا تكون بإبقائه أسفل هرم ماسلو، بل بمدّ يدٍ ترفعه درجة إلى الأعلى، ليحيا بالعمل لا بالصدقة، بالكرامة لا بالشفقة.
هكذا يستمر العرض. الحكومة تُوزّع الدعم، والمواطن يُوزّع الصبر، والإعلام الرسمي يُوزّع الابتسامات ويصفّق للاشيء. صورة البئر تتكرر.. يدٌ ممدودة لأجل الصورة، سلمٌ مُلقى على الهامش، ومجتمعٌ يتفرّج من الأعلى على من يحاول الصعود بمفرده.
المواطن المغربي لا يحتاج دعمًا مباشرًا، بل إيمانًا غير مباشر بقدرة الإنسان على أن ينهض بنفسه، إن وجد من يفتح له الطريق بدل أن يقيس عمق جوعه وفقره بـ“المسطرة”. لأن الشعوب لا تُبنى بالدعم، بل بما يتركه العمل من خبزٍ في اليد وكرامةٍ في الظهر المستقيم.








