كشف رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها عن رؤية شاملة لمعالجة الفساد في القطاع الخاص، باعتباره أحد أبرز التحديات التي تقوّض الثقة الاقتصادية وتضعف تنافسية المقاولات وجاذبية الاستثمار.
وأشار خلال مؤتمر الأنتربول العالمي لمكافحة الفساد واسترداد الأصول المنعقد في أبوظبي أيام 11 و12 و13 نونبر 2025، إلى أن الفساد في القطاع الخاص يتجاوز الرشوة المقدمة للموظفين العموميين، ليشمل ممارسات غير أخلاقية مثل تضارب المصالح، استغلال النفوذ والامتيازات، التسريبات التي تخل بالتنافس النزيه، الاحتكار والهيمنة، وكل ما يتعارض مع مبادئ المنافسة الحرة. وأكد أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة جريئة وموضوعية، بعيداً عن الطروحات النظرية التقليدية، نظراً لتأثيرها المباشر على إنتاجية المقاولات وحجم الاستثمار الأجنبي، وما يترتب عليه من خسائر كبيرة للناتج الداخلي الإجمالي للدول.
وأوضح أن النزاهة في القطاع الخاص ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل عنصر أساسي من عناصر التنافسية الوطنية، بينما يشكل الفساد “عطباً مؤسسياً في هندسة السوق”، لا يمكن معالجته إلا بإعادة ضبط منظومتي الردع والتحفيز، وتحويل الامتثال لقواعد النزاهة إلى قيمة مضافة للمقاولات، لا مجرد عبء تنظيمي.
وتستند رؤية الهيئة لتعزيز النزاهة في القطاع الخاص على خمس ركائز رئيسية: بناء إطار معياري وطني للامتثال المقاولاتي مستوحى من المعايير الدولية، جعل النزاهة ميزة تنافسية في السوق عبر منح شهادات “المقاولة النزيهة” وميزات إضافية للمؤسسات الملتزمة، تفعيل الحكامة الوقائية والتقاطع المؤسساتي للكشف المبكر عن أنماط الفساد، مأسسة الحوار بين القطاعين العام والخاص عبر منصة وطنية دائمة، وربط النزاهة الاقتصادية بالشفافية المالية واسترداد الأموال المهربة.
وأشار رئيس الهيئة إلى أن التحدي لا يكمن فقط في خفض مؤشرات الفساد، بل في إحداث تحول في فلسفة إدارة الاقتصاد، عبر ما أطلق عليه “فلسفة النزاهة الاقتصادية”. وأكد أن الدول التي تحقق استدامة نجاحها هي تلك التي استثمرت في الرأسمال المؤسسي للنزاهة، لأن الاقتصاد المبني على الثقة لا يعرف الهشاشة، والمقاولات التي تستثمر في الامتثال تضمن مستقبلاً أطول وعائداً ربحياً أعلى. ودعا إلى الانتقال من منطق “محاربة الفساد” إلى منطق “هندسة النزاهة”، وجعلها جزءاً لا يتجزأ من البنية الإنتاجية، تماماً كما أصبحت الرقمنة والاستدامة والحكامة مؤشرات لا تنفصل عن جودة الأداء الإداري، مؤكداً أن بناء “اقتصاد النزاهة” يجعل الكفاءة والقيمة المضافة والشفافية والثقة المحددات الأساسية للنجاح الاقتصادي.







