في سابقة اعتبرتها مصادر حركية غربية “غير مألوفة” في أعراف التنظيمات الحزبية، ربط الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين قبول استقالة عضوة بالمجلس الوطني بإبراء ذمتها المالية تجاه الحزب وتأدية الانخراطات المتراكمة، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل حول المساطر الداخلية داخل حزب “السنبلة” في لحظة يعيش فيها نزيفاً تنظيمياً غير مسبوق قبل أشهر قليلة من الاستحقاقات التشريعية.
الرسالة الجوابية التي بعث بها أوزين بتاريخ 17 نونبر الجاري (يتوفر نيشان على نظير منها) ، جاءت رداً على إعلان الاستقالة الذي اختارت المعنية بالأمر نشره عبر منصات التواصل الاجتماعي بدل وضعه عبر القنوات المؤسساتية للحزب. الأمين العام شدّد في مراسلته على أن الاستقالة “ستظل معلّقة” إلى حين تسوية المستحقات المالية، مستنداً إلى مواد النظام الأساسي التي تربط الانسحاب باستكمال شروط العضوية والوفاء بالالتزامات التنظيمية والمالية.
وفي خضم النقاش القانوني الذي أثارته المعنية، اعتبر أوزين أن استنادها إلى المادة 21 من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية “غير سليم”، مذكّراً بأن المادة 22 هي التي تنظّم الانسحاب، وتنص صراحة على وجوب احترام الإجراءات الداخلية التي يحددها النظام الأساسي. وأرفق الأمين العام مراسلته بنسخ من المواد القانونية والإدارية التي بنى عليها جوابه، داعياً العضوة إلى الإسراع بأداء ما بذمتها “قصد تسريع مسطرة الجواب على الاستقالة”.
هذه الخطوة فتحت الباب واسعاً أمام التأويلات، خصوصاً أنها تأتي في سياق يعيش فيه الحزب سلسلة من الهزات الداخلية المتلاحقة. فمنذ يونيو الماضي، والحركة الشعبية تتلقى ضربات تنظيمية متفرقة، بدءاً باستقالة خمسة من أبرز أعضاء المكتب المحلي بسيدي يحيى الغرب احتجاجاً على “غياب التواصل وشلل التنظيم”، مروراً بتسريبات أكدت قرب مغادرة إدريس السنتيسي نحو حزب الاستقلال رغم محاولات أوزين ثنيه عن قراره، وصولاً إلى الانفجارات التنظيمية بمدينة فاس، حيث وجّه عدد من المستقيلين اتهامات ثقيلة للمنسق الإقليمي ببيع “المقاعد الأولى” بمبالغ مالية كبيرة، وهي اتهامات بقيت معلّقة بعد تخلّف المعني عن تسجيل وجهة نظره.
وتجمع هذه الوقائع، المتباعدة زمنياً والمتقاربة دلالياً، على رسم صورة حزب يعيش واحدة من أعقد مراحله منذ تأسيسه. فقبيل أقل من عام على انتخابات 2026، يجد “السنبلة” نفسه في قلب موجة انسحابات تضربه من القاعدة إلى القمة، وتضع قيادة أوزين تحت ضغط مزدوج، احتواء النزيف من جهة، وإعادة ترميم التنظيم لضمان حدٍّ أدنى من الجاهزية الانتخابية من جهة أخرى.
وبين جدل تعليق الاستقالة وما يكشفه من توتر داخلي، وبين توالي الانشقاقات التي لم يعد ممكناً إخراجها من دائرة الضوء، تبدو الحركة الشعبية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على الحفاظ على توازنها التنظيمي في مرحلة سياسية دقيقة، تُقاس فيها الحظوظ الانتخابية بمدى الانسجام الداخلي أكثر مما تُقاس بالشعارات والخطابات.







