طيلة فترة رئاسته للحكومة، ظل عزيز أخنوش صامتاً أمام “انهيار” التجربة المحلية وضعف المجالس المنتخبة وفوضى التسيير التي يعرفها التراب الوطني من الشمال إلى الجنوب.
صمت ثقيل، مقصود، ومحمول على ميزان حساس اسمه “أم الوزارات”.. وهي المنطقة المحرمة التي لم يجرؤ أخنوش يوماً على دخولها، ولا حتى الاقتراب من حدودها.
فجأة، وفي الوقت الميت من الولاية الحكومية، قرر الملياردير الذي شب في أحضان وزارة الداخلية على عهد “وزيرها الأسطوري” إدريس البصري، أن يشرب “لبن السباع”، ويطلق لسانه، في مجلس المستشارين، ليقترب من أحد أكثر الملفات حساسية: أداء المجالس المنتخبة.
أخنوش جرته الحماسة خلال جلسة المساءلة الشهرية إلى القول بأن هذه المجالس “لا يمكن أن تبقى مؤسسات جامدة تنتظر التعليمات”، وكأن هذا الجمود لم يكن قائماً منذ اليوم الأول لولايته، أو أن الحكومة كانت طوال سنواتها الماضية تتوسل المجالس لكي تتحرك وهي ترفض!
لكن الأسئلة التي تقفز إلى الواجهة إثر هذا “الخروج الفلكلوري” لأخنوش متعددة ومتشابكة: لماذا احتفظ رئيس الحكومة بهذا الخطاب طيلة هذه المدة، ليكتشف فجأة في نهاية الولاية أن هناك “مؤسسات جامدة تنتظر التعليمات”؟ ولماذا لم “يوشوش” في أذن وزيره في الداخلية: أرجوك.. اعط تعليماتك للولاة والعمال حتى يكفوا عن إصدار التعليمات واتركوا الناس تعمل؟!
لماذا لم يقله حين كان الكلام قد يؤدي إلى محاسبة داخلية، أو ارتباك حكومي، أو اضطراب في “التوازن الدقيق” مع وزارة الداخلية؟ وهل استشعر “إمبراطور المحروقات” اقتراب نهايته السياسية؟!
الجواب بسيط:
لأن الزمن زمن انتخابي بامتياز، ولأن الحكومة تبحث عن شماعة تعلق عليها خيباتها المتتالية.. ولأن الداخلية، وهذا هو الأهم، سحبت بساط الإشراف على المشاورات مع الأحزاب والإعداد لمنظومة الانتخابات من تحت رجليه… واستعادت مجالا ظل محفوظا لسنين طويلة باسمها.
فأخنوش يعرف جيداً أن ملف الجماعات الترابية ليس من اختصاصه العملي، وأنه تاريخياً ظل تحت وصاية وزارة الداخلية، دون منازع، ودون أن يجرؤ رئيس حكومة واحد، باستثناءات قليلة جدا، على “تقريع” المنتخبين علناً… خوفاً على التوازنات وخوفاً على مصالح حزبه في الميدان.
في عمق الخطاب “الجريء” لأخنوش نقرأ تحوّلا مهما، يقود إلى أن شيئا ليس على ما يرام بين رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية.. طبعا مع بعض “البهارات” ذات النكهة الانتخابية، وهي وصفة قديمة يتم اللجوء إليها كلمة اقتربت “العصيدة الانتخابية”، لنفض الأيدي من المسؤولية عن ملفات بعينها، تحت شعار: “ماشي حنا را لاخرين”!!
الخطاب الذي لجأ إليه أخنوش في مجلس المستشارين ليس قراءة سياسية فقط، بل محاولة واضحة لإعادة توزيع المسؤولية قبل لحظة المحاسبة الانتخابية.
إن ما قاله أخنوش كان من الممكن أن يعتبر ثورة إصلاحية حقيقية.. وبطنه، وبعض وزرائه، خاوية مما امتلأت به “موائد الصفقات” المختلفة.. وصفحات ملفه نقية من “التغول السياسي” و”الاستئساد على البسطاء”.. أما اليوم، فلا الداخلية تحسب لكلامه حسابا، ولا المجالس منتبهة لتوجيهاته، لأن الجميع يعلم أنها “مجرد استفاقة انتخابية متأخرة”، فيها الكثير من “قليان السم” لأم الوزارات.. لا غير.
اليوم “للي عطا الله عطاه” وأخنوش وفريقه الحكومي على مشارف انتخابات ربما تعيد “ضمس” الخريطة السياسية في مغرب تنتظره العديد من المحطات المفصلية في تاريخه.. والتي لن يكون “الدومالي الكبير” معنيا برسم معالمها، لأنه قبل ذلك كان متفرغا لـ”تسمين حساباته” وتفريخ الشركات والمشاريع، و”تزويق” مسيرته، فلانت “رقبة” التخطيط للانتخابات وقوانينها ومستقبل المجالس المنتخبة لـ”مالين الشغل”.. وعادت أم الوزارات إلى “التبوردة” المعهودة.. وقديما قيل: “لي كلى حقو يغمض عينيه”!!
أخنوش: الداخلية ولبن السباع..هل استشعر زعيم “الأحرار” نهايته السياسية؟!







