في ما يشبه إسدال الستار على واحدة من أطول حلقات النزاع حول تدبير النقل الحضري بفاس، دخل ملف شركة “سيتي باص” مرحلة الحسم بعد قرار قضائي يقضي بالحجز على أسطولها ووضعه للبيع بالمزاد العلني، في خطوة تؤشر على نهاية تجربة عمرت سنوات وخلّفت وراءها الكثير من الأعطاب والجدل.
القرار، الذي سيُنفّذ يوم 4 دجنبر داخل مستودع الشركة بحي بنسودة، يهم أزيد من 30 حافلة، أغلبها لم يعد يصلح سوى لميزان “حديد الخردة”. هياكل متآكلة، محركات مفقودة أو متوقفة بالكامل، وأسطول كان يُفترض أن يحمل سكان فاس لا أن يُنقل إلى المزاد بهذه الصورة البائسة.
هذا التطور لم يكن مفاجئاً لمن تابع مسار هذا الملف منذ سنوات. فمنذ 2022 كانت وزارة الداخلية قد دخلت على الخط، محاولةً عبر مسطرة التحكيم ترميم العلاقة المتصدعة بين الجماعة و”سيتي باص”. آنذاك، اقترحت الشركة إعادة هيكلة استثماراتها وتعزيز أسطولها بحافلات جديدة مقابل دعم مالي، وتفاعلَت فرقٌ سياسية داخل المجلس، من الاستقلال إلى الأصالة والمعاصرة، بإيجابية مع مقترحات الوزارة معتبرةً أنها قد تشكل مخرجاً تحفظ استمرارية المرفق. غير أن تلك المبادرات لم تفلح في سدّ الهوة التي كانت تتسع باطراد بين الطرفين.
تراكم الأعطاب وتراجع جودة الخدمة وتواتر الأعطال دفع المجلس الجماعي إلى اتخاذ خطوة أكثر راديكالية. ففي فبراير الماضي، صوّت على إسقاط العقد من جانب واحد، مستنداً إلى ما وصفه بـ“اختلالات مالية وتقنية خطيرة” في تنفيذ بنود التدبير المفوض لسنة 2012. وقدّم عمدة المدينة حينها توصيفاً قاتماً لوضع القطاع، مؤكداً أن الشركة لم تلتزم بملحق الاستثمار المتفق عليه، وأن الحافلات المؤقتة التي وفّرتها الداخلية من الدار البيضاء لم تعد قابلة للاستمرار دون صيانة مكلفة، ما فتح الباب أمام قرار فسخ العقد.
إلى جانب التوتر مع الجماعة، وجدت “سيتي باص” نفسها في مواجهة دعاوى من عمال سابقين، انتهت أحكامها إلى الحجز على ممتلكات الشركة بعدما ثبت حرمانهم من حقوق مهنية. وهو ما عجّل بالمسطرة القضائية التي أفضت إلى الحجز الحالي، لتنتهي واحدة من أكثر تجارب التدبير المفوض إثارة للجدل في مدينة فاس.
في خضم هذه التطورات، شرعت المدينة في ترتيب مرحلة ما بعد “سيتي باص”. فمنذ ماي الماضي، تم اعتماد صيغة تدبير مؤقت في انتظار إطلاق مشروع جديد تشرف عليه وزارة الداخلية ويرتقب أن يضخ أزيد من 260 حافلة حديثة تعيد هيكلة القطاع وتستجيب لمتطلبات السلامة والراحة والولوجيات التي ظلّ المواطنون يطالبون بها لسنوات. وفي يونيو الماضي، دخلت شركة CTM على الخط، معلنةً تأسيس شركة “إيصال” لتدبير النقل الحضري، في خطوة فسّرها كثيرون بأنها بداية استعادة هذا المرفق الحيوي لنفَسه المفقود.
بيع أسطول “سيتي باص” اليوم ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو لحظة رمزية تُطوى معها صفحة ثقيلة من تدبيرٍ ظلّ يوصف بالفاشل، ويفتح الباب أمام نمط جديد يُعلّق عليه سكان فاس آمالاً عريضة في أن تعود الحافلة وسيلة نقل تحترم آدمية الراكب وتواكب إيقاع مدينة بطموحات أكبر من أسطول مهترئ انتهى به المطاف بين جدران مستودع بنسودة في انتظار المطرقة.







