بالتزامن مع انعقاد الدورة الثالثة عشرة لاجتماع رفيع المستوى بين مدريد والرباط، سلط موقع “بوانسيد الكندي” الضوء على تحوّلات لافتة في هندسة المصالح داخل الضفة الغربية للمتوسط، مبرزًا كيف اختارت إسبانيا المضي في تعزيز روابطها مع المغرب، رغم أنّ فرنسا استعادت منذ صيف 2024 موقعها المتقدم في سوق الصفقات الكبرى داخل المملكة. هذه الخلاصة، التي بدت في ظاهرها مفارقة، ترتبط وفق التقرير بإعادة تشكيل شبكة النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي عقب استعادة الدفء بين الرباط وباريس، وبروز منافسة ثلاثية مكتومة بين فرنسا وإسبانيا والجزائر على مفاتيح المنطقة الاستراتيجية.
التقرير اشار إلى أنّ مدريد، التي غيّرت موقفها جذريًا من نزاع الصحراء في ربيع 2022، رأت في المغرب شريكًا طويل المدى، وهو ما تُرجم في أرقام غير مسبوقة بلغ معها حجم الصادرات الإسبانية نحو المملكة أكثر من تسعة مليارات يورو حتى نهاية شتنبر الماضي، بينما استقرت المبادلات الإجمالية بين الطرفين عند مستويات قياسية. ويعتبر الموقع أنّ هذا المسار تعزز بفضل شبكة واسعة تضم أكثر من 1300 مقاولة إسبانية استقرت في السوق المغربية، خصوصًا في قطاعات النسيج والطاقة واللوجستيك والماكينات والمواد الكهربائية.
لكن الزخم الإسباني، رغم وضوحه، تلقى ضربة موجعة بعد المصالحة المغربية-الفرنسية في يوليوز 2024. باريس، التي اعترفت رسميًا بسيادة المغرب على صحرائه، نجحت سريعًا في استعادة موقعها التقليدي كمستثمر أول في الملفات الإستراتيجية، موقّعة خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمغرب في أكتوبر 2024 حزمةً لافتة من الاتفاقيات بلغ إجماليها حوالى عشرة مليارات يورو.
وتصدرت شركة ألستوم هذه العقود بصفقة بلغت 781 مليون يورو لتزويد المغرب بقطارات فائقة السرعة لربط القنيطرة بمراكش، وهو مشروع ذو رمزية قوية بالنظر إلى استضافة المملكة لكأس العالم 2030. كما فازت شركات فرنسية أخرى بعقود في مجالات الماء والطاقة والبنى التحتية والنقل البحري.
في المقابل، احتفظت مدريد بنصيب مهم عبر شركة CAF التي حظيت بصفقة لإمداد المغرب بأربعين قطارًا بين-المدن في إطار ورش ضخم لتحديث الشبكة الوطنية بقيمة تقارب ثلاثة مليارات دولار. غير أن التقرير يلاحظ بوضوح أنّ الخطوط العريضة لمشاريع السرعة الفائقة تبقى، حتى الآن، مجالًا مفضلاً للمهندسين والمجموعات الفرنسية.
ويذهب تحليل موقع “بوانسيد الكندي” أبعد من ذلك، معتبرًا أنّ هذا النسق المتسارع لا يمكن فصله عن منحنى المنافسة الإقليمية. فإسبانيا، التي استفادت من فتور العلاقات المغربية-الفرنسية لسنتين كاملتين، تجد نفسها اليوم أمام معادلة جديدة تُضاف إليها عودة الجزائر تدريجيًا إلى السوق الإسبانية بعد قطيعة في 2022. فقد سجلت صادرات مدريد نحو الجزائر ارتفاعًا هائلًا بلغ 162% بين يناير وماي 2025، ما اعتبره مراقبون إشارة واضحة إلى سعي إسبانيا لتنويع شركائها وعدم الارتهان الكامل لمحور الرباط-مدريد، رغم المكاسب الاستراتيجية التي جلبها هذا المحور للطرفين.
الإشارة السياسية الأكثر حساسية في التقرير تتعلق بالكيفية التي مازالت بها قضية الصحراء تحدد اتجاهات الاستثمار والدبلوماسية في المنطقة. فبينما حسمت فرنسا موقفها لصالح الرباط، ما أعاد فتح الأبواب أمام شركاتها، لم تتخذ مدريد الخطوة ذاتها، الأمر الذي يجعل سياستها عرضة للجدل الداخلي وموضوعًا لصراع بين الحكومة وحزب الشعب المعارض الذي يدفع نحو إعادة تمتين العلاقات مع الجزائر واستعادة التوازن التقليدي في حوض المتوسط الغربي.
ويخلص التقرير إلى أنّ المغرب، وهو يواصل توسيع قاعدته الصناعية خصوصًا في مجالات السيارات والطاقات المتجددة والصناعات الدفاعية، أصبح ساحة مركزية لإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي الأوروبي في شمال إفريقيا. وفي الوقت الذي تراهن فيه الرباط على تنويع شركائها دون خسارة عمقها الأوروبي، تبدو باريس أكثر المستفيدين من موجة التطبيع الجديدة، فيما تواصل مدريد القتال على جبهتين: حماية مكاسبها داخل السوق المغربية، وإعادة ترميم روابطها المتذبذبة مع الجزائر.







