في الوقت الذي مرّ فيه إعلان تعبئة 19 مليار درهم ( أي ما يناهز 1900 مليار سنتيم) عبر صندوق محمد السادس للاستثمار من دون أن يثير ما يستحقه من نقاش عمومي، تبدو الساحة الاقتصادية وكأنها تتابع حدثاً ثقيلاً بصمت غير مفهوم. فعملية تحويل ضخ عمومي لا يتجاوز 4.5 مليارات درهم إلى محفظة استثمارية تناهز أربعة أضعافه كان يفترض أن تفتح باباً واسعا للتساؤلات والتدقيق، لا سيما في بلد لطالما ظلّ الاستثمار الخاص فيه هشّاً، متردداً، ومتوجساً من المخاطرة. ومع ذلك، مرّ الخبر بلا ضجة، كما لو أنّه تفصيل ثانوي في نشرة رسمية، وليس خطوة تُعلن عن تحوّل محتمل في علاقة الدولة بالرأسمال الوطني.
قبل أيام فقط، تحدثت نزهة حياة، المديرة العامة للصندوق، عن “نقطة تحول حقيقية” في صناعة الرأسمال الاستثماري بالمغرب، مؤكدة أن الهيكلة الجديدة تقوم على مضاعفة المال العمومي وجعله رافعة لجذب رساميل خاصة من داخل المغرب وخارجه، عبر 14 شركة تدبير تدير صناديق موضوعاتية وقطاعية. كان خطابها أنيقاً ومفعماً بالتفاؤل، لكنه أيضاً لم يثر نقاشاً يليق بحجمه.
ولعل ما يدعو للتساؤل، وفقا لمصادر مطلعة، هو غياب الضوء الكافي حول الآليات الدقيقة التي ستوجّه هذه الملايير، وكيف ستتم مواءمة هذا الطموح المالي مع واقع اقتصادي يعاني اختلالات بنيوية عميقة.
مصدر اقتصادي قال لـ“نيشان” إن الصورة “إيجابية بالتأكيد، لكنها ليست خالية من الرمادي”، مشيرا إلى أن استقطاب 14.5 مليار درهم من مستثمرين خواص خطوة مهمة، غير أنها لا تقدّم ضمانة بأن هذه الرساميل ستتجه نحو القطاعات التي تحتاجها البلاد فعلاً، أو نحو المجالات التي تتطلب سنوات من الانتظار والصبر. فالمنطق الاستثماري الخاص لا يختلف كثيراً، الربحية أولاً، والمخاطرة في حدود المعقول، ما لم تُقدَّم ضمانات قوية أو تُبتكر آليات واضحة لتقليص المخاطر.
مع ذلك، يرى محللون آخرون تحدثوا الى نيشان، أن هذه الدينامية تندرج ضمن محاولة الدولة إعادة تشكيل هندسة الاستثمار، وفق توجيهات ملكية واضحة تدفع نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وأقل اعتماداً على الاستثمار العمومي المباشر.
ويرون أن الصندوق، بما يملكه من أدوات مالية جديدة وصناديق متعددة التخصصات، يمكنه أن يلعب دور “مصفاة” تنتقي المشاريع ذات القيمة المضافة، وتضبط معايير الشفافية، وتحدّ من هيمنة منطق العلاقات والمصالح الذي ظل لسنوات يعرقل دخول فاعلين جدد إلى السوق.
غير أن هذا التفاؤل، وبحسب المصادر ذاتها، لا يلغي أسئلة حارقة، بشأن مدى استفادة المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تشكل أكثر من 90 في المئة من النسيج الاقتصادي، وعما اذا كان سيصل التمويل إلى المقاولات الصاعدة التي تكافح كي تعثر على أول مستثمر، وهل ستتم مراقبة أداء شركات التدبير بصرامة كافية كي لا يتحول الصندوق إلى مجرد أداة لتضخيم أرقام الاستثمار من دون أثر حقيقي على التشغيل والنمو.
الجواب، كما تقول مصادرنا، “لن يُقاس بعدد الندوات، بل بنتائج السنوات الثلاث المقبلة”. فإذا استطاع الصندوق تحويل هذه الملايير إلى مشاريع ملموسة في الاقتصاد الحقيقي، سيكون المغرب قد دخل مرحلة جديدة. أما إذا بقيت الأرقام لامعة بينما الواقع راكد، فسنكون أمام تجربة أخرى تنضاف إلى سلسلة تجارب طموحة انتهت بنتائج محدودة.
في نهاية المطاف، يبدو صندوق محمد السادس للاستثمار أمام اختبار حقيقي. فحجمه المالي واعد، وهيكلته حديثة، وخطابه طموح، لكن نجاحه سيُقاس بقدرته على تغيير قواعد اللعبة الاقتصادية، وعلى تحريك رساميل ظلت جامدة، وعلى تحويل المال العمومي إلى دينامية خاصة لا إلى واجهة رقمية. وبين من يرى في هذه التطورات بداية تحول، ومن يخشى أن تكون مجرد “قفزة إحصائية”، يظل الرهان قائماً على قدرة المغرب على جعل الاستثمار أولوية فعلية لا مجرد شعار يُردّد منذ سنوات.







