عاد ملف الباعة المتجولين بمدينة تازة ليطفو مجددًا على سطح النقاش العمومي، بعدما تقدمت النائبة فدوى محسن الحياني عن الفريق الحركي بسؤال كتابي إلى وزير الصناعة والتجارة “رياض مزور”، تلتمس فيه كشف مآلات سياسة الحكومة تجاه تنظيم هذا القطاع غير المهيكل، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى مشهد يومي بارز داخل المدينة، يوازيه احتقان اجتماعي وتذمر من السكان في ظل غياب حلول عملية واضحة.
السؤال البرلماني أشار إلى أن التجارة الجائلة أصبحت الملاذ الأخير لعدد كبير من الشباب والعائلات الفقيرة، في ظل ضعف فرص الشغل وضيق الهامش الاقتصادي، غير أن هذه الفئة—برغم هشاشتها—تعيش تحت وطأة المطاردات وحجز السلع وغياب إطار قانوني يضمن لها حق العمل في ظروف تحفظ الكرامة، وتوفر حماية اجتماعية وضريبية عادلة. مفارقة تختصر معضلة متشابكة بين مطلب العيش اليومي ومقتضيات التنظيم الحضري.
في الطرف المقابل، لا تخفي ساكنة المدينة ضجرها من استفحال الأسواق العشوائية وانتشار بسطات الخضر والفواكه داخل الشوارع والأزقة، حتى تلك الضيقة منها، حيث تحولت الأرصفة إلى فضاءات تجارية مفتوحة، وامتدت الأنشطة إلى أبواب البيوت، مخلفة أكوامًا من النفايات وروائح خانقة، ومشادات تتكرر بشكل شبه يومي بسبب عرقلة المرور وتضارب مصالح المستغلين والمارة.
وسبق لتقارير مدنية وحقوقية، أن وثقت هذه الفوضى بمشاهد ميدانية صادمة خصوصًا في أحياء مثل “ليراك”، الذي كان يومًا حيًا هادئًا قبل أن يتحول إلى سوق مفتوح تضيع فيه الحدود بين السكن والتجارة.
ويمنح القانون التنظيمي 113.14 المجالس الجماعية صلاحيات ضبط استغلال الملك العمومي وسحب التراخيص ومعاقبة المخالفين، غير أن التنفيذ على الأرض يظل هشًا، في ظل غياب إجراءات حازمة، ما فتح الباب أمام اتساع رقعة الفوضى وتراجع الثقة في جدوى التدبير المحلي. شكوى تتردد على ألسنة المواطنين الذين طرقوا أبواب المسؤولين دون نتائج ملموسة، بينما يتوسع النشاط العشوائي كل يوم، ويتحول المجال العام إلى مساحة نزاع بدل أن يكون حقًا مشتركًا.
ودعا السؤال البرلماني الحكومة إلى تبني مقاربة إدماجية تقوم على إحداث أسواق قرب نموذجية ومجهزة، ومنح الباعة بطائق مهنية تضمن لهم الدخول في الدورة الاقتصادية بشكل منظم، بما يعزز فرص توفير دخل قارّ دون الاصطدام بالمطاردة أو الحجز، ويعيد في الآن ذاته للمدينة صورتها البصرية ونظافة شوارعها، في توازن مطلوب بين الحق في العمل واحترام الملك العمومي.







