في وقت أعلنت فيه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أمس الأربعاء، عن انطلاق عملية “رعاية 2025–2026” لتعزيز خدمات صحة القرب لفائدة ساكنة المناطق المتضررة من موجات البرد، عادت إلى الواجهة من جديد مخاوف تتعلق بقدرة هذه العملية على ترجمة أهدافها على الأرض، بعد حادث اعتداء طال ممرضة خلال مهمة ميدانية نائية بإقليم خنيفرة، ما أعاد النقاش حول ظروف اشتغال الأطر الصحية في المناطق الجبلية والوعرة.
مصادر مهنية أكدت أن الممرضة التي تعمل بالمركز الصحي بتانفنيت تعرضت لاعتداء لفظي وجسدي أثناء مشاركتها في إحدى القوافل الصحية، وسط حالة احتقان شديد بين ساكنة تعتمد بشكل شبه كامل على هذه الخدمات الموسمية، وتجد نفسها في كل عام أمام قوافل لا تفي – بحسب ما تُظهر الوقائع – بحدود الحد الأدنى من التجهيزات والأدوية والموارد البشرية. الحادث أعاد إلى الواجهة شعوراً متنامياً لدى الممرضين بأنهم أصبحوا “واجهة المواجهة” بين انتظارات الساكنة وخصاص المنظومة.
وتشير معطيات القطاع في خنيفرة إلى أن القوافل الطبية التي يفترض أن تكون دعامة أساسية لبرنامج “رعاية” غالباً ما تتم في غياب الأطباء وبتزويد محدود من الأدوية والمستلزمات، وهو ما يخلق توتراً كل سنة بين الممرض الذي يجد نفسه في الصف الأمامي، وبين الساكنة التي ترى في هذه القوافل حقاً سنوياً في العلاج والدواء، خاصة خلال فترات البرد القارس.
وفي خضم هذا النقاش، أصدر المكتب الإقليمي للنقابة المستقلة للممرضين بخنيفرة بياناً استنكارياً دان فيه بشدة الاعتداء على الممرضة، واعتبر أن ما وقع نتيجة مباشرة لـ”قوافل تفتقر لأدنى مقومات العمل”، محذراً من استمرار تعريض الممرضين لـ”حياة مهنية بين المطرقة والسندان، مطرقة شح الأدوية وسندان غضب الساكنة”. ودعت النقابة إلى مقاطعة القوافل الطبية المتنقلة إلى حين توفير الموارد البشرية والتجهيزات الضرورية، وتفعيل المساطر القانونية لحماية الأطر الصحية.
و كانت وزارة الصحة قد أكدت في بلاغ رسمي أن برنامج “رعاية” يستهدف 31 إقليماً عبر 8 جهات، ويقوم على تعبئة 2817 إطاراً صحياً و183 قافلة طبية متخصصة، برصد اعتمادات إضافية لاقتناء الأدوية والتجهيزات وتغطية تكاليف التنقل. الوزارة شددت أيضاً على أن العملية تأتي تنفيذاً للتعليمات الملكية، وتهدف إلى ضمان التكفل بالحالات المرضية، وتقريب الخدمات من المناطق النائية والمهددة بالبرد.
غير أن الحادث الأخير دفع المصادر إلى التساؤل عمّا إذا كانت الأرقام والبلاغات الرسمية كافية لطمأنة مهنيي الصحة وساكنة القرى، أم أن واقع الميدان يكشف فجوة واسعة بين ما يُعلن وما يُنجز، ومدى حاجة عملية “رعاية” إلى مراجعة شاملة تضمن شروط عمل لائقة، وتوفر حماية فعلية للأطر الصحية من الاعتداءات المتكررة، وتؤمّن للساكنة خدمات ترتقي إلى حجم انتظاراتها.







