عاد النقاش حول مشروع القانون رقم 70.24 المتعلق بتعويض ضحايا حوادث السير إلى الواجهة، بعد المصادقة عليه في مجلس النواب وإحالته إلى مجلس المستشارين، وسط توقعات بأن يشكل أول تعديل كبير على ظهير 1984 منذ أربعة عقود، وبين ترحيب باعتباره خطوة لتحديث المنظومة وحماية حقوق الضحايا، وتحفظات تتهم الحكومة بالميل نحو مصالح شركات التأمين، برزت مستجدات لافتة في الصياغة والمضمون تضع المشروع ضمن أبرز الملفات التشريعية المتابعة في المرحلة الحالية.
المشروع الجديد تخلى عن مصطلحات تقليدية ظلت ملازمة للنص الأصلي، فاستبدلت كلمة العربات بـ المركبات انسجاماً مع مدونة السير، وتم تعويض شركة التأمين بـ مقاولة التأمين تماشياً مع القانون المنظم للقطاع، كما اعتمد مفهوماً أكثر دقة لـ “الأجر” وأعاد ترتيب بعض الفصول وتدقيق مساطر المراقبة، مع إضافة مواد مكررة وتعديل أخرى، في محاولة لضبط المفهوم القانوني وتفادي التناقضات التي ظل يجتهد فيها القضاء.
وعلى مستوى الجوهر، يحمل المشروع توسيعاً لنطاق التعويض ليشمل خدمات لم يشملها القانون السابق، من بينها استرجاع مصاريف نقل المصاب ذهاباً وإياباً بين المراكز الصحية، والتحليلات الطبية، وحصص الترويض، إضافة إلى مصاريف استبدال أجهزة طبية كانت صالحة قبل الحادثة وأصبحت غير قابلة للاستعمال بعده.
وينص كذلك على تحمل مصاريف نقل الجثمان مع وضع معايير احتسابها في نص تنظيمي لاحق، إلى جانب استثناء مصاريف الجنازة والتعويض عن الألم المعنوي من قاعدة تشطير المسؤولية، وهي النقطة التي شكلت مطلباً قديماً للأسر المتضررة.
وتوسعت لائحة المستفيدين لتشمل الأبناء المكفولين والآباء الكافلين والزوج العاجز والطلبة والمتدربين، مع رفع الحد الأدنى للاحتساب في التعويضات بنسبة 54% على مراحل، وتمديد آجال التقادم في حالات تفاقم الضرر إلى خمس سنوات بدل سنة واحدة، بما يسمح بإعادة فتح الملفات في حالة وفاة المصاب أو تدهور حالته الصحية لاحقاً.
من جهتها، قدمت وزارة العدل المشروع باعتباره جزءاً من ورش تحديث ترسانة القوانين الاجتماعية والحقوقية، مشيرة إلى أن 4024 شخصاً لقوا مصرعهم في حوادث السير خلال 2024، وأن التعويضات الممنوحة بلغت 7,4 مليارات درهم، ما يبرر ـ في نظرها ـ الحاجة إلى مراجعة القانون القديم وتجويد مساطر الصلح وتوحيد الشواهد الطبية وتعزيز الخبرة المشتركة بين الطبيب المعالج وشركات التأمين.
غير أن طريق المصادقة لم يكن خالياً من الجدل. جزء من المعارضة تحدث عن تشريع “على المقاس” لفائدة شركات التأمين، وعن رغبة في تأجيل تطبيق القانون على الملفات السابقة إلى حين نشره، وهو ما اعتبرته فرق برلمانية طريقة لربح الوقت وتقليل الكلفة المالية. دعوات الردّ قوبلت من وزير العدل “عبداللطيف وهبي” بالقول إن التعديلات تهدف إلى “تحقيق توازن بين تعويض منصف للضحايا والحفاظ على دينامية القطاع”، مضيفاً أن “التحول نحو تعويضات أعلى لا يعني رفع أقساط التأمين على المواطنين”.
وبين من يرى فيه انحيازاً للمؤسسات المالية ومن يعتبره خطوة متقدمة نحو عدالة تعويضية، ينتظر أن يحدد النقاش في مجلس المستشارين ومضامين النصوص التنظيمية المقبلة ملامح المرحلة الثانية من هذا الإصلاح، خاصة ما يتعلق بطريقة احتساب التعويضات وتنزيل مقتضيات الخبرة الطبية المشتركة وآليات التنفيذ الفوري للأحكام.







