في الوقت الذي ترتفع فيه حرارة السباق العالمي نحو مصادر طاقة أكثر أمناً وأقل تقلبًا، اختار المغرب أن يشق طريقه بخطوات محسوبة، مستثمراً موقعه الجغرافي وواقعه الصناعي في رسم خريطة جديدة للغاز داخل حدوده وفي محيطه الإقليمي. الإعلان الأخير لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة عن ضخ استثمارات تقارب مليار دولار في “كوريدور غازي” جديد، رفقة مشروع وحدة التخزين العائمة بالناظور، لم يكن مجرد خبر تقني عابر، بل إشارة إلى أن الرباط تسرّع التحوّل نحو بنية تحتية غازية قادرة على الحد من هشاشتها الطاقية التي كشفتها السنوات الأخيرة بوضوح.
هذا التحول لا يأتي من فراغ. فمنذ وقف توريد الغاز عبر الأنبوب المغاربي–الأوروبي نهاية 2021، وجدت المملكة نفسها أمام ضرورة إعادة ترتيب الأوراق، فاختارت خياراً مضاعفاً، تأمين إمدادات بديلة عبر خطوط جديدة، وخلق منصّات استراتيجية تخول لها ضمان وصول الغاز المسال وإعادة ضخه داخل الشبكة الوطنية دون الارتهان لأي معبر خارجي. إعلان الخامس من دجنبر عن إطلاق طلب عروض دولي لجلب وحدة التخزين وإعادة التغويز بالناظور (FSRU) يؤكد هذا التحول.
المشروع، الذي تُقدَّر قيمته بـ273 مليون دولار، سيشكّل أول محطة من نوعها يتم ربطها مباشرة بالأنبوب المغاربي–الأوروبي، بما يعني أن المغرب سيضمن إمكانات فورية لضخ الغاز داخل الشبكة، سواء قدم من مزودين تقليديين أو من أسواق الغاز المسال العالمية.
مصادر تقنية داخل القطاع تؤكد أن الرباط تلقت خلال السنوات الماضية عروضاً من شركات كبرى تعمل في مجال الـFSRU، بينها “هوج إل إن جي” النرويجية و“إكسيليريت إنرجي” الأميركية، غير أن اختيار الفاعل النهائي سيخضع — وفق مصدر مسؤول بوزارة الانتقال الطاقي تحدث لـ”نيشان” — لـ“معايير صارمة تتعلق بقدرة الشركة على الالتزام بأجندة زمنية ضيقة، وضمان نجاعة العمليات التشغيلية، فضلاً عن الملاءمة البيئية”. المسؤول ذاته شدد على أن “المغرب لا يبحث فقط عن محطة تخزين، بل عن نقطة ارتكاز لشبكة غازية جديدة تُبنى على مدى 20 عاماً”.
الأهم، وربما الأضخم مالياً، هو الممر الوطني الجديد للغاز الذي سيربط الناظور بالأنبوب المغاربي–الأوروبي مروراً بمحاور صناعية كبرى. كلفة الورش تقترب من مليار دولار، ما يجعله الأكبر منذ إطلاق محطات الطاقة الشمسية في ورزازات.
وتكشف مصادر من داخل القطاع الصناعي أن المناطق المستهدفة — خصوصاً القنيطرة التي تحتضن مصانع السيارات، والمحمدية التي تضم وحدات كيميائية وطاقية — تواجه ضغطاً متصاعداً على الطلب الطاقي، وأن ربطها بشبكة غاز مستقرة لن يساهم فقط في خفض كلفة الإنتاج، بل سيجعل المغرب أكثر تنافسية في استقطاب صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصناعات البلاستيكية والبتروكيماويات وقطاع الزجاج.
من جهة أخرى، ومن زاوية الاقتصاد الكلي، تبرز أهمية هذا الاستثمار الطاقي حين نعلم أن فاتورة الطاقة في المغرب شهدت قفزات لافتة، حيث بلغت في 2022 نحو 153 مليار درهم قبل أن تتراجع جزئياً في 2023 بفعل انخفاض أسعار النفط والغاز دولياً. ومع ذلك، لا تزال كلفة التبعية الخارجية مرتفعة، إذ يستورد المغرب ما بين 90 و95 في المئة من حاجياته الطاقية.
في سياق ذلك، يرى الخبير في اقتصاديات الطاقة، محمد بنبراهيم لمتوكي، أن “الاستثمارات الحالية ليست رفاهية تقنية، بل ضرورة استراتيجية، لأن المغرب إذا أراد تثبيت نموذج صناعي قادر على المنافسة، فلا يمكن أن يظل مرهوناً بأسعار الغاز في الأسواق الدولية أو بقرارات جيوسياسية مفاجئة”.
بنبراهيم اعتبر أيضا أن مشروع الـFSRU بالناظور “سيوفر للمغرب منصة مرنة لاقتناء الغاز من أسواق متعددة، تماماً كما فعلت دول أوروبية بعد أزمة الغاز الروسية”.
القراءة نفسها يذهب إليها خبير الهيدروكاربورات عبد السلام حميش، الذي يرى أن المغرب “يسير نحو خلق محور غازي جديد يربط شمال غرب المتوسط بغرب إفريقيا عبر بنيته الحالية والمستحدثة”. ويضيف أن “ربط المحطة الجديدة بالأنبوب المغاربي–الأوروبي يعزز موقع المغرب كممر طاقي محتمل لأي مشروع مستقبلي، سواء تعلق الأمر بالغاز النيجيري أو الغاز المسال المستورد”.
لكن هذه المشاريع، رغم قيمتها الاستراتيجية، ليست بمنأى عن تحديات واضحة. فعمليات مد الأنابيب تمر عادة بمسار إداري معقد، يمر عبر نزع الملكية، والتوافق مع الجماعات الترابية، وتأمين خطوط آمنة تقنياً وبيئياً. كما أن تجارب سابقة، مثل توسعة شبكة الغاز بين المحمدية والقنيطرة مطلع الألفية، أظهرت أن احترام الآجال قد يصطدم أحياناً ببطء المساطر، وهو ما يعترف به مصدر داخل المكتب الوطني للهيدروكاربورات بقوله إن “التحدي الحقيقي ليس التمويل، بل القدرة على تسريع الإجراءات دون التفريط في شروط السلامة”.
رغم ذلك، يبدو أن الرباط تتحرك بمنطق أن ما هو استراتيجي لا ينتظر اكتمال الشروط المثالية، بل يستدعي خلقها. فالمغرب، الذي كان يعتمد لعقود على الغاز الجزائري لتشغيل بعض محطاته الكهربائية، يحاول اليوم تجاوز هشاشته الطاقية عبر بناء منظومة متكاملة تسمح له باستقبال الغاز من مصادر متعددة، وتوزيعه محلياً بكلفة أقل، وتصديره مستقبلاً عندما تتبلور مشاريع الربط الإقليمي.
بهذه الأوراش، يدخل المغرب فصلاً جديداً من سياسته الطاقية، عنوانه الاستباق بدل رد الفعل، وتشييد البنيات بدل انتظار توازن السوق العالمي. ومع أن الطريق ما يزال طويلاً ومكلفاً، إلا أن المؤشرات الحالية تكشف أن المملكة وضعت نفسها على مسار مختلف عمّا كان سائداً قبل عشر سنوات، حين كانت تكتفي بإدارة الندرة. واليوم، يبدو أن الرباط تختار أن تصنع وفرتها بنفسها، وأن تحجز لنفسها موقعاً داخل خرائط الغاز التي يعاد رسمها في المتوسط وغرب إفريقيا.







