وجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام لحظة سياسية محرجة بعدما وجّه أحد نوابه سؤالاً كتابياً يمس صميم قطاع التعليم الذي يشرف عليه الوزير “سعد برادة” المنتمي للحزب نفسه. سؤال بدا، للوهلة الأولى، إجراءً برلمانياً عادياً، لكنه سرعان ما تحول إلى كرة لهب تتدحرج داخل الأغلبية، كاشفاً حدود الانسجام الحكومي في ملف يُفترض أنه أولوية وطنية “التعليم الأولي”.
النائب سعيد لكرش، الذي وقع السؤال باسم فريق الأحرار، لم يكتف بعرض وضعية المشرفين التربويين والأطر الإدارية، بل صاغها بحدة غير مألوفة داخل الأغلبية، متحدثاً عن هشاشة مهنية، أجور هزيلة، غياب مسارات للترقية، وتعثر الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية. وهي تشخيصات اعتادت النقابات رفعها منذ سنوات، لكنها نادراً ما صدرت بهذه الصراحة من داخل الحزب القائد للحكومة.
في المقابل، لفتت مصادر مهنية من داخل القطاع، الى أن هذه المعطيات سبق أن قُدمت مرات عديدة لوزير التربية الوطنية سعد برادة، وأن الأخير كان يرفض باستمرار أي تعديل أو مقترح يُحسّن الوضعية القانونية والإدارية للعاملين بالتعليم الأولي. لذلك بدا السؤال الجديد وكأنه يقلب الطاولة داخل البيت نفسه، إذ يسائل الوزير بكلماته ذاتها عمّا أخفق في معالجته.
وترى المصادر ذاتها، أنه عندما يرفع نائب من الحزب رسالة رسمية يعترف فيها بأن وضعية المشرفين التربويين “لا تُطاق”، فذلك يعني أن ملف التعليم الأولي خرج من دائرة الدفاع الحزبي، ودخل مرحلة الاعتراف الداخلي بأن الاختلالات أعمق مما صُوّر للرأي العام. بل إن بعض المشرفين التربويين اعتبروا في تعليقات متفرقة أن الخطوة بمثابة إقرار سياسي غير معلن بأن الوعود التي رُوّجت خلال السنوات الماضية لم تُترجم إلى أي تحسن ملموس، وأن الحديث عن “إصلاح المنظومة التربوية” يظل ناقصاً ما دام أحد أهم أركانها يعيش فوق رمال متحركة.
من جهة أخرى، قدّمت مصادر مهنية قراءة سياسية أوسع للوضع، مرجّحة أن يكون الأمر مجرد مناورة داخلية لإعادة ترتيب الملف، أو في أقصى الاحتمالات أن يكون الفريق البرلماني قد وجد نفسه مضطراً للتفاعل مع ضغط مهني متزايد على أرض الواقع، بعدما أصبحت أصوات العاملين في القطاع تؤكد أن الوضع بلغ مستوى لم يعد ممكناً تغطيته بالخطابات.







