كشفت معطيات حديثة عن هيمنة مغربية شبه مطلقة على سوق السردين المعلّب عالمياً، بعدما تجاوزت صادرات المغرب 15 ألف طن سنوياً نحو أسواق أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وفق تقارير إعلامية فرنسية ومعطيات دولية متقاطعة. هذه الأرقام، التي ترسخ موقع المغرب كأول مصدّر عالمي بلا منافس، تعكس تحوّل الثروة السمكية الوطنية إلى صناعة تصديرية ضخمة تشغّل مئات الآلاف وتعيد رسم الخريطة الاقتصادية لمدن ساحلية بأكملها.
وأكدت مصادر مهنية مغربية أن وتيرة التصدير ارتفعت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بالطلب القوي داخل السوق الأوروبية على منتجات بروتينية منخفضة التكلفة وذات جودة مراقبة. وتشير المصادر نفسها إلى أن وحدات التثمين في أكادير وآسفي والعرائش والعيون تعمل اليوم بقدرات إنتاج عالية، مدعومة بأنظمة رقمنة ورقابة صارمة فُرضت منذ 2023 لضمان التتبع وجودة السلسلة.
وتبدو الانعكاسات الاجتماعية لهذه الدينامية واضحة في المدن الساحلية، حيث باتت سلاسل القيمة المرتبطة بالصيد والتوضيب والتوزيع توفّر ما بين 250 و300 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. جزء معتبر من هذه اليد العاملة يتكوّن من النساء اللواتي يشتغلن في عمليات الفرز والتنظيف والتعليب داخل وحدات صناعية تشكل اليوم العمود الفقري لاقتصاد محلي يعتمد في بعض مناطقه بنسبة تفوق 50% على الصناعات البحرية.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن الاختيار الاستراتيجي للرباط لم يكن وليد اللحظة؛ فالمغرب انتقل منذ سنوات من نموذج تسويق الأسماك طريّة أو مجمدة إلى خيار تعليب السردين، ما مكّن المنتجات المغربية من بلوغ أسواق بعيدة مثل اليابان والبرازيل وأمريكا اللاتينية. ولتعزيز هذه المكانة، جرى تحديث شامل للأسطول البحري، وتوسيع البنية اللوجستية للموانئ، خاصة في أكادير والداخلة، مع إدماج أنظمة التبريد السريع على متن المراكب وتعميم الرقمنة على مراحل السلسلة الإنتاجية.
وتشير بيانات صادرة عن الهيأة الوطنية للموانئ إلى أن صادرات السردين المعلّب ارتفعت بأكثر من 12% خلال 2024، رغم التحذيرات العلمية المرتبطة بتراجع المخزون السمكي. ويظل ملف الحصص السنوية واحترام الراحة البيولوجية من بين النقاط الساخنة داخل نقاشات الفاعلين، خصوصاً في ظل ضغوط السوق الدولية واتساع الطلب.
وفي موازاة ذلك، تعمل شركات مغربية رائدة على توسيع حضورها داخل متاجر التوزيع الأوروبية الكبرى، بعد نجاح علامات وطنية في توقيع عقود تزويد جديدة خلال 2025، شملت الجيش الفرنسي وبعض السلاسل الألمانية المتخصصة في المنتجات المعلّبة.
وتُجمع التقديرات المهنية الدولية على أن المغرب يستحوذ اليوم على ما يناهز 45% من السوق العالمية للسردين المعلّب، متقدماً بفارق كبير على منافسين تقليديين مثل البرتغال وموريتانيا وإسبانيا. وهو تفوق يؤشر، وفق خبراء اقتصاديين، إلى انتقال الصناعات البحرية المغربية من مرحلة “القطاع الطبيعي” إلى مرحلة “القطاع الصناعي الثقيل” بما يوازي الصناعات التصديرية الاستراتيجية.







