رغم مرور سنوات طويلة على نيل محميات المحيط الحيوي بالمغرب اعترافاً دولياً من اليونسكو، ما تزال هذه الفضاءات الطبيعية تعيش حالة من التعثر المزمن في مأسستها وتفعيل آليات تدبيرها، وفق ما أثاره سؤال كتابي وجهه الفريق الاشتراكي إلى “أحمد البواري وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.
السؤال، الموقع من طرف النائبة النزهة أباكريم، يعيد إلى الواجهة واقع أربع محميات حازت تصنيفاً أممياً لسنوات، لكنها لم تتوفر بعد على الإطار المؤسساتي الضروري لضمان استدامتها وحمايتها من تدهور يتسارع بصمت.
وتطرح البرلمانية، بحدة تستند إلى معطيات ميدانية، أن المخطط الإطار لمحمية أركان—وهي أول محمية حصل عليها المغرب سنة 1998—ما يزال معطلاً، خاصة في ما يتعلق بمنظومة التنطيق التي قدمت لليونسكو عند طلب الاعتراف.
هذا التعثر، تقول، سمح بتفويت منطقتين مركزيتين بعد أكثر من عقدين من الحماية الصارمة؛ الأولى “إيمي مقورن” ضواحي أشتوكة آيت باها لصالح شركة إسمنت، والثانية “والقاضي” بإقليم تارودانت لفائدة شركة مناجم.
كما يلوح خطر ثالث في الأفق مع تسليم رخص تعدين جديدة في “جبل لكست” بجماعة أملن، ما أثار قلقاً واسعاً في أوساط المجتمع المدني بجهة سوس ماسة، بالنظر إلى إمكانية فقدان المغرب منطقة مركزية إضافية من نطاق المحمية.
ويتقاطع هذا القلق مع فراغ قانوني واضح، إذ إن القانون 22.07 المتعلق بالمناطق المحمية لا يتضمن أي ذكر لمحميات المحيط الحيوي، ما يجعل حمايتها المؤسساتية ضعيفة وهشة أمام ضغوط مشاريع صناعية ومعدنية متزايدة. ومن هنا يدعو السؤال البرلماني إلى إطلاق ورش تشاوري وطني لتدارك هذا النقص، مع التأكيد على أن برنامج “الإنسان والمحيط” MaB/UNESCO—الذي يتولى المغرب رئاسته دولياً وعربياً—يمكن أن يشكل أداة فعّالة لإعادة الهيكلة شريطة مأسسته وطنياً وإخضاعه لحكامة واضحة.
وتشير البرلمانية إلى أن جهاز الحكامة الخاص بهذه المحميات، والذي يفترض أن يجمع الجماعات الترابية والقطاعات الحكومية ومؤسسات البحث العلمي والمجتمع المدني، لم يُفعّل منذ إحداث المحميات الأربع. ورغم أن هذا الجهاز يشكل ركيزة أساسية في منهجية اليونسكو لضمان التنسيق وتبادل المعلومات وصياغة حلول مشتركة، إلا أنه ظل مجرد هيكل نظري دون أثر على الأرض.
ويمتد السؤال ليطالب الوزارة بالكشف عن تصورها لإحداث وكالة وطنية خاصة بمحميات المحيط الحيوي، تكون مخاطباً وحيداً ومرجعاً مؤسساتياً واضحاً، في ظل ما وصفه الفريق بغياب المسؤوليات الدقيقة وتشتتها بين مصالح متعددة، وهو ما يفتح الباب أمام تدهور متواصل قد يهدد لاحقاً بسحب التصنيف الدولي.
كما تنتقد النائبة عدم تضمين التنطيق الخاص بمحمية أركان ضمن مشروع المخطط الجهوي لإعداد التراب بجهة سوس ماسة، معتبرة ذلك تقصيراً من المصالح الجهوية للوزارة من شأنه تعريض المناطق المركزية المتبقية لضغوط استغلال جديدة.
في خلفية هذا السجال، تحضر مخاوف متزايدة من أن يفقد المغرب تدريجياً أحد أهم مكاسبه البيئية في ظل غياب رؤية متكاملة لحماية هذه المحميات، رغم أنها تشكل مختبراً حقيقياً للتنمية المستدامة وفضاءً لتلاقي البحث العلمي مع الحفاظ على التنوع البيولوجي والثقافي.







