يتحرك ملف تفويت 67 في المائة من رأسمال BMCI نحو هولماركوم، المملوكة لعائلة بنصالح، بوتيرة توحي بأن القطاع البنكي المغربي مقبل على واحدة من أعمق التحولات التي يشهدها منذ عقدين. فالصفقة التي تتفاوض بشأنها المجموعة مع BNP Paribas الفرنسية بعيدًا عن الأضواء، لم تعد مجرد انتقال تقني لملكية أسهم، بل أقرب إلى منعطف يعيد توزيع النفوذ داخل السوق البنكية ويعزز حضور رأس المال المغربي على حساب المجموعات الأجنبية التي كانت لسنوات جزءًا من العمود الفقري للقطاع.
ويُنظر إلى قرار التخلي عن BMCI في باريس، كخطوة نابعة من ترتيب داخلي لأولويات الاستثمار. وتوضح مصادر اقتصادية تحدثت لـ”نيشان” أن BNP Paribas تسعى إلى تقوية ملاءتها المالية عبر رفع معدل CET1 بنحو 15 نقطة أساس، بالتزامن مع سياسة تقليص التعرض لأسواق تُعتبر غير إستراتيجية في خططها الجديدة.
وتضيف المصادر أن المجموعة الفرنسية “اختارت الخروج في هدوء، دون ضجيج سياسي أو مالي، مع الحفاظ على خطوط نشاط محدودة في المغرب من خلال التمويل الاستهلاكي وتدبير الأصول”.
لكن الصورة داخل المغرب تختلف تمامًا. فهولماركوم، التي انتقلت قبل عامين فقط إلى السيطرة على “مصرف المغرب” بعد شراء 78 في المائة من رأسماله من Crédit Agricole، تستعد اليوم لتكرار السيناريو نفسه مع BMCI. هذا التتالي السريع في العمليات يطرح أسئلة ثقيلة حول طبيعة التحول الذي تصنعه المجموعة، وحول ما إذا كانت بصدد بناء قطب مالي مغربي ذي وزن قادر على منافسة المجموعات البنكية الكبرى محليًا وإقليميًا.
مصدر مصرفي مطلع يؤكد لـ”نيشان” أن ما يجري “ليس صدفة ولا تحركًا معزولاً، بل جزء من تصور استراتيجي وضعته المجموعة منذ سنوات، ويرتكز على تجميع أدوات التأمين والبنوك والتمويل في منظومة موحدة تعزز القدرة التنافسية وتفتح الباب أمام توسع إقليمي منظم”. ويضيف المصدر أن هولماركوم “تستفيد من وضع خاص داخل السوق؛ فهي فاعل محلي بقدرة تمويلية كبيرة، وبهوامش حركة أوسع من البنوك الأجنبية التي تخضع لضوابط أكثر تشدداً داخل بلدانها الأم”.
هذه القراءة يزكيها “أمين جوريو” الخبير في أسواق الرساميل، الذي يرى أن العملية “تمثل واحدة من حلقات إعادة التوطين المالي التي يشهدها المغرب منذ ما بعد الجائحة”، موضحاً أن “المجموعات المغربية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى قاطرة القطاع البنكي، خصوصًا بعد توسع البنوك الوطنية في غرب ووسط إفريقيا، مقابل انكماش ملحوظ في حضور المجموعات الأوروبية”.
وإذا اكتملت الصفقة خلال 2026 كما هو متوقع، فستكون هولماركوم قد جمعت داخل محفظتها حصتين كبيرتين في بنكيْن كانا حتى وقت قريب تحت السيطرة الفرنسية. هذا المعطى لا يعني فقط تراجعًا جديدًا في النفوذ البنكي الفرنسي بالمغرب، بل يشير إلى ميل واضح نحو سيادة مالية محلية، وتوجه متزايد لاسترجاع أصول استراتيجية من طرف فاعلين اقتصاديين مغاربة.
مع ذلك، تطرح الخطوة تحديات داخلية على المجموعة نفسها. فدمج أنشطة بنكية بمستويات مختلفة من الهيكلة، وإعادة ضبط شبكات الفروع والمنتجات، وتنسيق أنظمة الحكامة والمخاطر، كلها ملفات تحتاج إلى وقت واستثمارات وتدبير دقيق.
وتتوقع المصادر، أن تُقدم هولماركوم خلال العامين المقبلين على إعادة هيكلة واسعة داخل شبكة BMCI، تشمل مراجعة بعض الوحدات وتعزيز أخرى، وربطها بما راكمته من تجربة داخل “مصرف المغرب” لخلق تآزر وظيفي ومالي يدعم رؤية القطب البنكي الجديد.
التحول المنتظر لا يقتصر على حدود المجموعة، بل يمس التوازنات العامة داخل القطاع البنكي المغربي. فحجم عمليات الاستحواذ المتتالية، وتزايد الحضور المحلي في ملكية البنوك، واتساع هوامش القرار لدى الفاعلين المغاربة، كلها مؤشرات على تغير جيل كامل من القواعد التي حكمت علاقة المغرب بالرأسمال البنكي الدولي منذ التسعينيات.
وفي انتظار الإعلان الرسمي عن الصفقة بعد استكمال مساطر بنك المغرب والهيئات التنظيمية، تبدو هولماركوم ماضية في توسيع حضورها بخطوات محسوبة، مستندة إلى شبكة استثمارات تمتد من التأمينات إلى الصناعات الغذائية واللوجستيك، وقدرة مالية عززتها سنوات من التنويع المدروس.
التحرك يعكس، وفق خبراء، “انتقالاً تدريجيًا من مرحلة مشاركة رأس المال الأجنبي في قيادة القطاع البنكي، إلى مرحلة تتصدر فيها المجموعات المغربية قيادة اللعبة المالية داخل البلاد”.
وبهذا المعنى، يتحول سؤال الصفقة مِن “مَن يشتري؟” إلى “أي مستقبل يبنى؟”؛ مستقبل قد يعيد رسم موقع المغرب داخل المنظومة المالية الإقليمية، ويعزز من حضور فاعلين محليين قادرين على الاستثمار بثقة في لحظة اقتصادية تبحث فيها الأسواق عن مراكز توازن جديدة.







