عاد ملف السكن بفوسبوكراع إلى واجهة التوتر الاجتماعي بمدينة العيون، بعد تطورات وُصفت بالمفاجئة زادت من حدة الاحتقان داخل أوساط العمال والمتعاونين، في سياق يتسم أصلاً بتراكم الشكوك وتآكل الثقة بين الشغيلة والإدارة. فبدل أن تشكل المرحلة الحالية مدخلاً لطمأنة المعنيين ووضع حد لحالة الانتظار الطويل، فجّرت طريقة تدبير مسطرة الحجز موجة استياء واسعة، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول الحكامة والشفافية في معالجة واحد من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية بالمنطقة.
مصادر من داخل المؤسسة تحدثت عن حالة ارتباك سادت صفوف المتعاونين عقب إخراج مذكرة الحجز المتعلقة بوعاء عقاري مخصص للسكن، تقدر مساحته بـ15 هكتار، في توقيت متأخر من الليل، ودون أن تكون مصحوبة بمذكرة تحدد الأثمنة أو بوثائق تقنية توضح مواقع البقع السكنية وحدودها. هذا الإجراء، بحسب متابعين للملف، وضع المعنيين أمام التزامات غير واضحة، وأثار مخاوف حقيقية من الانخراط في عملية تفتقر للمعطيات الأساسية التي يفترض أن تؤطر أي مسطرة حجز مسؤولة وشفافة.
ويعتبر عدد من العمال أن مطالبتهم بالالتزام بالحجز في غياب الأثمنة والتصاميم التقنية الدقيقة لا يمكن فصلها عن مسلسل طويل من التعثرات التي وسمت تدبير ملف السكن، والذي ظل لسنوات نقطة توتر دائمة داخل فوسبوكراع. فملف يهم مئات الأسر، ويمس بشكل مباشر الاستقرار الاجتماعي داخل مدينة العيون، لا يحتمل، في نظرهم، قرارات متسرعة أو إجراءات أحادية الجانب، خصوصاً في ظل السياق الاجتماعي والاقتصادي الدقيق الذي تعيشه المنطقة.
في خضم هذا الجدل، عبّر المكتب الإقليمي للجامعة الوطنية لقطاع الفوسفاط، فرع العيون – بوكراع، المنضوي تحت لواء الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، عن رفضه الصريح للطريقة التي جرى بها إخراج مذكرة الحجز، معتبراً أن تقديمها قبل تحديد الأثمنة وقبل الكشف عن التصاميم يشكل مساساً بحق الشغيلة في المعلومة، ويفرغ العملية من مصداقيتها، ويطرح تساؤلات جدية حول احترام مساطر التدبير التشاركي واختصاصات لجنة الحوار الاجتماعي المحلي.
وأكدت الهيئة النقابية أن ملف السكن لا يمكن أن يُدار بمنطق الارتجال أو عبر قرارات منفردة، بل يفترض أن ينبني على مقاربة واضحة ومسؤولة، تنطلق من الإعلان المسبق عن الأثمنة، وتوفير المعطيات التقنية الدقيقة، وضمان إشراك ممثلي العمال في مختلف مراحل القرار.
كما حمّلت الإدارة المحلية كامل المسؤولية عن أي تأخير ناتج عن هذا المسار، مطالبة باحتساب مدة التأخير ضمن الآجال المعتمدة للحجز، صوناً لحقوق المتعاونين وتفادياً لأي إجحاف محتمل.
وتأتي هذه التطورات لتعيد إلى الواجهة سياقاً اجتماعياً متوتراً تعيشه فوسبوكراع منذ أشهر، حيث سبق لعمال المؤسسة أن عبّروا، في أكثر من محطة، عن استيائهم مما وصفوه بإقصاء شريحة واسعة منهم من الاستفادة من البقع الأرضية، رغم توفر وعاء عقاري مهم، ورغم التزامات سابقة قُدمت لهم.
وتشير معطيات متداولة داخل الوسط العمالي إلى أن عدد المتضررين يناهز 1200 عامل، في وقت يتجاوز فيه عدد البقع المتوفرة 1700 بقعة، وهو ما غذّى الإحساس بالتمييز وغياب العدالة الاجتماعية.
وكان اجتماع لجنة الشؤون الاجتماعية المنعقد أواخر شهر ماي الماضي قد شكّل منعطفاً سلبياً في مسار الملف، بعدما خرج، بحسب تعبير العمال، دون أي إجراءات عملية، ما عمّق الشعور بخيبة الأمل وأعاد طرح علامات استفهام حول جدية التعاطي مع مطالبهم. واستحضر متتبعون للملف تجارب سابقة، من بينها محطة سنة 2012، حين استفاد عدد من العمال من بقع أرضية بأثمنة اعتُبرت آنذاك مناسبة، في إطار مقاربة اجتماعية خففت الاحتقان ووفرت قدراً من الاستقرار.
اليوم، ومع عودة ملف السكن إلى الواجهة من بوابة مذكرة الحجز، يبدو أن العلاقة بين الشغيلة والإدارة تمر باختبار جديد، في انتظار ما إذا كانت الجهات المعنية ستبادر إلى تصحيح المسار عبر الكشف عن الأثمنة والتصاميم التقنية واعتماد منطق تشاركي يعيد الثقة المفقودة، أم أن الملف يتجه نحو مزيد من التصعيد، في ظل تأكيد نقابي متجدد على أن السكن حق اجتماعي، وأن الشفافية التزام لا يقبل التراجع.







