كلما مررت من الرباط لابد أن أعرج على الأوداية كي أقف على أطلال التسعينيات، لا أدخل إلى القصبة، بل أتمشى جنبها على ضفة أبي رقراق، هنا أمضينا أحلى سنوات العمر داخل بناية هدمتها السلطات قبل بضعة أعوام كي تهيء ما يعرف ب “كورنيش” الرباط… فيما مضى، كانت وزارة الثقافة تضع جزء من القصبة العريقة تحت تصرف “المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي”، الذي فتح فيها فصولا دراسية نهاية الثمانينيّات، والحق أننا كنا محظوظين لأننا درسنا في أجمل وأعرق منطقة بالعاصمة، مع حسن الجوار: متحف وقاعة للمعارض وأروقة فنية ومقر اتحاد كتاب المغرب ونادي اليخوت بالاضافة إلى أبي رقراق والأطلسي… كانت الرباط غير الرباط، وكنا نقطع دروب المدينة العتيقة كل صباح ونمر من سوق السباط وباب القناصل كي نصل إلى حجرات الدرس لنتعلم التشخيص والارتجال والتعبير الجسدي والرقص والموسيقى والغناء والسينوغرافيا والدراماتورجيا وتاريخ المسرح والفنون والملابس… بالاضافة إلى بعض الدروس النظرية في السوسيولوجيا والسيكوليوجيا والأدب واللغة الفرنسية. المفارقة أننا كنا ندرس موليير ولنا مشكلة مع لغته. كانت سياسة التعريب قد فعلت فعلتها في أجيال متعاقبة من المغاربة الذين أعلنوا حربا شعواء على الفرنسية كأنهم ينتقمون من الاستعمار. ربحوا الحرب وصاروا يجهلون لغة موليير تماما، ويكرهونها طبعا، لأن “الانسان عدو ما يجهل”. لا بأس أن نذكر الأجيال الجديدة أن التعليم في المغرب بعد الاستقلال كان بالفرنسية، وفي الثمانينيّات قررت الدولة تعريبه، وأصبح الطلاب يدرسون العلوم الطبيعية والرياضيات والفيزياء بلغة الضاد بعد أن كانوا يدرسونها بلغة باسكال. نعرف اليوم أن النتيجة كانت كارثية على ملايين المغاربة الذين تخرجوا من المدرسة العمومية أو خرجوا منها على الأرجح، أما من ساعدهم الحظ والوضع الاجتماعي على التحصيل في مدارس البعثة والمؤسسات الخاصة، فقد درسوا بالفرنسية والتحقوا بأرقى المعاهد وسيطروا على أرفع المناصب كما كان مخططا سلفا، رحم الله بيار بورديو صاحب نظرية “إعادة الإنتاج الاجتماعي”. الغريب أن النخبة التي أدخلت التعريب إلى التعليم، استثنت أبناءها من المخطط، وحرصت على تدريسهم في مؤسسات تؤمن تعليما بالفرنسية. النقاش طويل حول مكر التعريب ونتائجه، لكن الطالب كان يدرس المواد العلمية بالعربية وعندما يصل إلى الكلية يجد أن الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا بالفرنسية، مما دفع كثيرا من الحاصلين على الباكالوريا العلمية في التسعينيات إلى هجرة جماعية نحو كلية الآداب لدراسة التاريخ والجغرافيا والشريعة والدراسات الإسلامية. كان الوضع سورياليا، كأن أحدًا ما في الدولة يريد الانتقام من أبناء الشعب!
نحن في المعهد كنا نحس أننا في نزهة، لأن دروسنا لا تشبه الدروس، رغم وجود بعض المواد النظرية. كنا حفنة من المحظوظين القادمين من المغرب العميق، نبحث عن الفن والشهرة والشغل. نذهب إلى الأوداية كل صباح كي ندرس في أجواء يخيم عليها المرح والانشراح، لكن مشكلتنا حقيقية مع لغة موليير. لم يكن أستاذ الفرنسية قارا، بل مجرد “ڤاكاتير”، أكاديمي محترم يحاضر في الجامعة ويخصص يوما في الأسبوع لتدريسنا حبا في المسرح. كان شغوفا بالإبداع والحريّة، لذلك كان الدرس عبارة عن عرض نهيئه حول موضوع من اختيارنا، نلقيه ثم نناقشه مع الزملاء في جو من المرح والقهقهات التي تتعالى بسبب المستوى الكاريكاتوري لمعظم الطلاب. كان تحضير العرض صعبا، سنوات قبل ميلاد صديقنا “گوگل” و”شات جي بي تي”، وكان الفصل مختلطا: أقلية صغيرة تتقن الفرنسية لأنها درست في مؤسسات خاصة أو بذلت جهدا استثنائيا أثناء التحصيل، وغالبية لا تفرّق بين ال I وبين الزرواطة. كنا نتاج نظام تعليمي فاشل، وكان الاستاذ يحاول أن يتدارك ما يمكن تداركه في الوقت بدل الضائع عن طريق دفعنا إلى القراءة والبحث والتحدث بالفرنسية دون عقد، لكن الطلاب كان لهم رأي آخر. ذات يوم، اجتمعنا وتداولنا في المشكلة وقررنا، بكل وقاحة، أن نتدخل في المحتوى البيداغوجي لدرس الفرنسية. ارتأينا أن يتم تعويض العروض بال”Grammaire” وال”Conjugaison”، كأننا تلاميذ في الابتدائي. الاقتراح كان مضحكا، لكن الجهل مصيبة، وسرعان ما حولناه إلى مطلب نقابي نقلناه على عجل إلى الإدارة، مهددين بمقاطعة الدروس في حال عدم الاستجابة. المشكلة أن الادارة كانت تلبي بسهولة رغبات طلابها “المفشّشين”… حين دخلنا إلى حصته، لم يكن الأستاذ المحترم يعرف أنه تحول من دكتور محترم في المسرح إلى معلم يدرّس النحو وقواعد اللغة الفرنسية إلى طلاب في العشرين، وقبل أن تبدأ الحصة، رفع أبو جهل يده وقال له إن المطلوب منه، من الآن فصاعدا، باتفاق مع الإدارة هو أن يدرسنا ال “Grammaire” وال”Conjugaison”… ابتسم الأستاذ في البداية، قبل أن يمتقع وجهه ويصاب بغضب شديد. مزق ورقة الحضور التي بين يديه إلى قطع صغيرة ثم قال لنا إنها آخر حصة سيؤمنها في المعهد، وأنه يفضل التطوع للتدريس في أحد مراكز محو الأمية، إذا كان لا بد من تدريس “الغرامير” و”الكونجيغيزون”…. ولم نره من يومها!
عن موليير ولغته







