وضع حزب التجمع الوطني للأحرار خاتمة لجولاته التي استهلك فيها الكثير من الضجيج الكلامي وأطنانًا من الدجاج بالدغميرة واللحم بالبرقوق.
الحزب حاول، مثل أي ساحر فاشل، إيهامنا بأن له قاعدة شعبية، ويملك مناضلين…
وأن رئيسه، الذي يكرهه جزء كبير من المغاربة، محبوب من الناس الذين يسعون لتقبيل يده.
الحزب، طبعا، دفع الفاتورة من أرباح المحروقات لتمويل كل هذه الجولات، ولجلب الجمهور لها، دون أن ينسى أيضا الاستعانة بجحافل من الذباب الإلكتروني لتمجيد معجزات يؤمن بها فقط مصطفى بايتاس ومن معه.
حدث كل هذا ليبعث هذا الحزب، الذي يوجد زر التحكم فيه خارج يد أخنوش، رسالة قصيرة مفادها: نحن جاهزون لولاية ثانية…
هو أمر غير مستبعد و وارد جدا، رغم أن أخنوش وحزبه صارا بالنسبة لشريحة واسعة من المغاربة مثل جائحة، ينتظرون فقط متى سترحل.
هذا الرحيل قد لا يتحقق ما دمنا أمام انتخابات ستتم بكاتم صوت يمنع الناس من مجرد التشكيك فيها.. وهي توطئة قد تجعلنا من جديد أمام هذا التاجر الذي توعد يومًا وعلنا بإعادة “تربيتنا” جميعًا.
هو ذاته أخنوش الذي تخلى سابقًا عن عباءة الأحرار، ليدخل حكومة بنكيران كتقنوقراط قبل أن يعود ليمسك حمامته، ومعها رئاسة الحكومة.
ولأن الطماع يقضي عليه الكذاب، فإن الكثيرين توهموا مع صعود أخنوش، ورحيل “البيجيدي”، أن صنابير المال ستفتح، وأن الوضع سيتغير، وأن الناس ستتنفس القليل من الهواء بعد سنوات من الاختناق.
اليوم، اتضح أننا وضعنا، كما فعلت الدولة، بيضنا في سلة واحدة، وأن الحال في المغرب يتجه ليصبح مثل طنجرة ضغط كبيرة تغلي يومًا بعد يوم… وأن ما حدث مع جيل زد قد يكون مجرد بداية، قد لا تنتهي بالاعتقالات والأحكام التي طالت عددًا ممن لم يتورطوا في أعمال عنف.
هذا السيناريو قد لا يكون مزعجًا كثيرًا للدولة، ومعها طبعا أخنوش الذي يتعامل معه بعض مهندسي القرار مثل “جوكير” صالح لكل زمان ومكان.
لكن هذا الاحتجاج يبقى طرقًا قويًا في جدران الخزان، عكس ما حدث لأبطال غسان كنفاني في روايته “رجال في الشمس”.
طرق قد يمتد للشارع من جديد في ظل موت الأحزاب وجميع مؤسسات الوساطة التي عاينا إفلاسها الصريح مع حراك الريف… ومع احتجاجات جي زد.
لن نستغرب إذن أن يعود لنا نفس رئيس الحكومة الذي يستفز المغاربة مع فريق من الوزراء الهواة والبرلمانيين الذين ركبوا على ظهر القفف للوصول إلى مناصب المسؤولية.
من حق أخنوش أن يتمادى ويحلم بولاية ثانية..
الرجل كان رئيسًا للحكومة في الظل قبل ذلك، ونجح في جعل بنكيران، مع كل عنترياته، مجرد موظف يوقع على القرارات حتى دون أن يدرك ما فيها، كما حصل مع صندوق التنمية الفلاحية وغيره، وهو نفس السيناريو الذي تكرر مع العثماني باعتراف بنكيران.
ليس هذا فقط، بل إن أخنوش نجح في أن يبيعنا القرد والكثير من الوهم، مثل ما فعل دجال سرغينة… وابحثوا عن قصته.
الرجل منح ثروات للمقربين منه على شكل دعم وإعفاءات.
وزاد ثروته في حكومتين بعد تحرير أسعار المحروقات..
وظل يحصد الملايير في صمت، رغم ضجيج المهمة الاستطلاعية، وحكاية 1700 مليار..
كما نجح في تسجيل هدف قاتل في الوقت الميت في مرمى مجلس المنافسة بعد أن تخلص من الكراوي وحل محله رحو الذي يؤمن أن الفم المغلق لا يدخله الذباب.
كما تجاوز حملة المقاطعة التي كان رأسه هو المطلوب الأول فيها..
وها نحن نرى اليوم كيف يطمع السي أخنوش في ولاية ثانية بعد انتخابات القفف.
أخنوش، كما المخزن الذي كبر وضاعف ثروته في أحضانه، لا ينسى رد الصرف لخصومه..
واليوم نعاين كيف يستمتع الرجل بالتلاعب بأعصابنا، وحلب جيوب المغاربة يوميًا انطلاقًا من موقعه كأكبر تاجر ومحتكر للمحروقات..
هو بذلك “يعيد تربيتنا” لأننا تجرأنا ذات يوم على محاولة الاقتراب من واد المال الذي يصب في حساباته انطلاقًا من حملة مقاطعة.
حملة نجح الرجل بعدها، ومعه كتيبة من دجالي الإعلام في تجاوزها مثل “حلمة خايبة”.
بل ونجح في الركوب، وبراحة تامة، على ظهر حزب العدالة والتنمية لولايتين متتاليتين، تجرع فيها المغاربة مرارة سلسلة من القرارات المؤلمة قبل أن نعاين الرجل وهو يصعد بهدوء لرئاسة الحكومة.
أخنوش تنافس مع أحزاب، عوض أن تتدافع من أجل تقديم عرض سياسي ومشروع مجتمعي يراعي الانتظارات المتراكمة للشارع، كانت تتباكى حول من يوزع القفة أكثر..
وتتخوف من تأثير ما فيها من زيت ودقيق على الديمقراطية.
النتيجة أن أخنوش صعد ليصبح الرجل الثاني في الدولة بدعم من حزبين.
أحدهما كان يحذر من أن المغرب مهدد بالسكتة القلبية قبل أن يبلع لسانه.
أما الحزب الثاني، فصار يقدم خدماته علنًا لحماية الفساد والمفسدين.
حدث ذلك بعد كل الضجيج الذي سبق الانتخابات حول المال القذر الذي يلاحق قفف أخنوش.
اليوم هذه الأسطوانة صادرتها وزارة الداخلية وهددت كل من يعيد تشغيلها بخمس سنوات سجناً وبقي فقط أن تعلن إسم الفائز في الانتخابات.
الخلاصة أننا نسير في هذا البلد نحو “الحيط”، ما لم يسمع العقلاء صوت الطرق القوي على جدران الخزان…
“دجال” سرغينة و “كنز” أخنوش







