مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يتأكد مرة أخرى أن منطق التحضير داخل الأحزاب السياسية لا ينفصل كثيراً عن القواعد غير المكتوبة التي حكمت استحقاقات سابقة، وفي مقدمتها الرهان على الأعيان وما يُوصف داخل الكواليس بـ“المرشح الرابح”، باعتباره أقصر الطرق لضمان المقاعد وتقليص مخاطر المفاجآت الانتخابية. ورغم اختلاف السياق العام، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، فإن دينامية السباق نحو التزكيات تعيد إنتاج نفسها تقريبا، مع تغيير محدود في الخطاب وتكييف شكلي مع مفردات التخليق والتجديد.
معطيات متقاطعة من داخل عدد من التنظيمات الحزبية تفيد بأن مرحلة ما قبل الحسم في اللوائح تعرف حركية غير مسبوقة، تتجاوز الاجتماعات التنظيمية المعلنة إلى مشاورات موازية، يُعاد فيها ترتيب التحالفات المحلية وتقييم “القيمة الانتخابية” للأسماء المطروحة.
وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى المسار النضالي أو الكفاءة التدبيرية باعتبارهما معيارين حاسمين بقدر ما يُنظر إلى القدرة على الحشد، وضمان شبكات النفوذ، والتحكم في مفاتيح الأصوات داخل الدوائر التي تُصنَّف انتخابياً كدوائر حساسة أو حاسمة. ويعتبر متابع للشأن الحزبي أن هذه المرحلة هي الأخطر في المسار الانتخابي، لأنها تُحسم بعيداً عن أعين الرأي العام، وتُرسم خلالها الخرائط الحقيقية للمنافسة.
ويُجمع محللون على أن مفهوم “المرشح الرابح” بات يشكل المحدد الأساسي في قرارات التزكية، خاصة في العالم القروي وبعض الأقاليم التي ما تزال البنية الانتخابية فيها قائمة على العلاقات العائلية والمالية أكثر من التنافس السياسي الكلاسيكي.
ويرى مولاي الطاهر برويش الباحث في العلوم السياسية، أن الأحزاب وهي تواجه تراجع الثقة في العمل السياسي وارتفاع منسوب العزوف، تميل إلى الاختيارات المضمونة انتخابياً، حتى وإن كانت مكلفة على مستوى صورتها وخطابها، لأن هاجس النتائج يظل أقوى من أي اعتبار آخر، خصوصاً في ظل ضغط الزمن الانتخابي.
هذا المنطق يفتح الباب، مرة أخرى، أمام ظاهرة الترحال السياسي، حيث تتحول بعض الأسماء إلى موضوع مفاوضات مفتوحة بين الأحزاب، دون اكتراث يُذكر بالمرجعيات الإيديولوجية أو البرامج المعلنة.
ويضيف برويش في اتصال هاتفي مع نيشان، أن هذا السلوك يعكس أزمة بنيوية داخل الحقل الحزبي، حيث يتم التعامل مع الأحزاب كواجهات انتخابية لا كمشاريع سياسية، وهو ما يُفرغ التعددية من مضمونها، ويُضعف قدرة المؤسسات المنتخبة على لعب أدوارها الدستورية.
وتكشف كواليس هذه التحركات أن عدداً من المرشحين المحتملين يضعون شرط “الموقع المتقدم” في اللائحة قبل الحسم في لونهم الحزبي، في سلوك أصبح مألوفاً كلما اقتربت الانتخابات. وتعتبر مصادر حزبية، أن هذا الواقع يُحوّل التزكية إلى عملة سياسية، ويجعل القوانين الداخلية للأحزاب، التي تنص نظرياً على معايير واضحة للترشيح، مجرد نصوص بلا أثر فعلي على أرض الواقع.
في المقابل، تتصاعد داخل القواعد الحزبية أصوات منتقدة لهذا التوجه، خاصة في صفوف الشباب والمنتخبين المحليين الذين راكموا تجربة تنظيمية دون أن يجدوا لأنفسهم مكاناً في لحظة الحسم.
ويرى الباحث برويش في هذا السياق، أن استمرار الاعتماد المكثف على الأعيان يُفرغ خطاب التجديد من مضمونه، ويُكرس الإحساس بأن السياسة مجال مغلق لا يُفتح إلا لمن يملك المال أو النفوذ، وهو ما يساهم بشكل مباشر في تعميق الفجوة بين الأحزاب وشرائح واسعة من المجتمع، ويغذي اللامبالاة السياسية.
ويأتي هذا كله في سياق استمرار التنسيق بين وزارة الداخلية وقيادات الأحزاب، في إطار الإعداد التقني والمؤسساتي للاستحقاقات المقبلة، مع التأكيد المتكرر على ضرورة تخليق الممارسة الانتخابية واحترام القواعد القانونية. غير أن مصادر حزبية تحدثت لنيشان، ترى أن أي حديث عن نزاهة العملية الانتخابية يظل ناقصاً ما لم يبدأ من داخل الأحزاب نفسها، عبر مراجعة حقيقية لمنطق التزكيات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والقطع مع إعادة تدوير الأسماء التي ارتبطت بالفشل أو أفرزت اختلالات جسيمة في تدبير الشأن العام.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو انتخابات 2026 مرشحة لأن تُخاض، مرة أخرى، تحت سقف التوازن بين خطاب معلن يدعو إلى التجديد والتشبيب، وممارسة واقعية تحكمها حسابات الربح الانتخابي السريع.
وتعتبر المصادر أن الرهان الحقيقي لن يكون فقط في نسب المشاركة أو توزيع المقاعد، بل في قدرة الأحزاب على استعادة الحد الأدنى من الثقة، عبر اختيارات تعكس فعلاً تطلعات المواطنين، لا مجرد تدبير تقني للاستحقاق بمنطق “المرشح الرابح”، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر استمرار الأعطاب التي طبعت التجارب السابقة.







