بعد أن صادق مجلس النواب، خلال جلسة تشريعية مطلع دجنبر الجاري، على مشروع القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي، مازال الجدل محتدماً داخل الأوساط التربوية والنقابية بشأن مضامين النص وخلفيات تمريره، في ظل تصاعد الأصوات الرافضة لما تعتبره توجهاً تشريعياً يعيد تشكيل المدرسة العمومية وفق منطق السوق والشراكة مع القطاع الخاص.
وفي هذا السياق، أعلنت النقابة الوطنية للتعليم، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، موقفاً رافضاً لمشروع القانون، معتبرة أن المصادقة البرلمانية عليه لا تنهي النقاش، بل تفتحه على مصراعيه حول مستقبل التعليم العمومي ومبدأ المجانية.
وترى النقابة أن القانون، بصيغته الحالية، يعكس اختيارات نيوليبرالية واضحة، ويؤشر على تراجع دور الدولة في ضمان تعليم عمومي منصف ومتكافئ، لفائدة صيغ تمويل وتدبير تفتح المجال أمام الفاعلين الخواص.
ويستند هذا الرفض إلى قراءة شاملة لمقتضيات المشروع، الذي يمتد على أكثر من مائة مادة، ويعيد تنظيم بنية التعليم المدرسي من حيث الإلزامية والتمويل والحكامة. فبينما تروج الحكومة للنص باعتباره إطاراً إصلاحياً ينسجم مع القانون الإطار 51.17 ويهدف إلى الرفع من جودة التعليم وتوسيع العرض التربوي، تحذر النقابة من أن غياب التنصيص الصريح على مجانية التعليم، مقابل التركيز على “تنويع مصادر التمويل” و“المدارس الشريكة” و“الشراكة بين القطاعين العام والخاص”، يشكل مدخلاً عملياً للمساس بحق الأسر في تعليم عمومي مجاني.
وفي بيان صادر عن مكتبها الوطني، أشارت النقابة الوطنية للتعليم إلى أن إحالة المشروع على البرلمان تمت بشكل انفرادي ودون استحضار فعلي لمبدأ الحوار الاجتماعي، معتبرة ذلك استمراراً في منهجية الإقصاء التي طبعت عدداً من الإصلاحات السابقة. وذهبت النقابة إلى أبعد من ذلك، حين ربطت بين توقيت تمرير القانون والسياق الاجتماعي العام، معتبرة أن تسريع المصادقة عليه يعكس اختيارات سياسية تكرّس الفوارق الطبقية والمجالية، وتشرعن لتوسيع حضور القطاع الخاص في مجال التعليم، بما يحمله ذلك من مخاطر على تكافؤ الفرص ووحدة المدرسة العمومية.
كما عبّرت الهيئة النقابية عن قلقها من ما وصفته بتعميم الهشاشة داخل القطاع، خاصة في مجالات التعليم الأولي والاستدراكي، محذّرة من أن تفويض مهام تربوية أساسية لفاعلين غير عموميين قد يحوّل التعليم تدريجياً إلى خدمة خاضعة لمنطق الربح، بدل اعتباره حقاً دستورياً ومرفقاً عمومياً استراتيجياً.
وفي مقابل هذا الرفض النقابي، تؤكد الحكومة أن مشروع القانون 59.21 يندرج ضمن رؤية استشرافية لإصلاح منظومة التعليم، تستحضر التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، وتسعى إلى بناء مدرسة منفتحة ومندمجة، تقوم على الجودة والمساواة. غير أن اتساع دائرة الانتقادات، خصوصاً من داخل النقابات التعليمية، يوحي بأن المصادقة البرلمانية لم تُنهِ الصراع حول القانون، بل نقلته إلى مستوى أوسع من النقاش العمومي.
ومع دعوة النقابة الوطنية للتعليم إلى سحب المشروع وفتح حوار وطني شامل حوله، بمشاركة مختلف الفاعلين التربويين والمدنيين، يظل قانون التعليم المدرسي واحداً من أكثر النصوص التشريعية إثارة للانقسام، بين رؤية رسمية تعتبره مدخلاً لإصلاح شامل، ومخاوف نقابية ترى فيه تهديداً صريحاً لجوهر المدرسة العمومية ولمبدأ المجانية.







