لم تمر سوى ساعات قليلة على زيارة وزير الصحة والحماية الاجتماعية لجهة بني ملال خنيفرة، وتدشينه مجموعة من المنشآت الصحية الجديدة بالإقليمين المجاورين، حتى عادت أزمة العرض الصحي لتفرض نفسها بقوة داخل مدينة وادي زم، حيث وجد مستشفى القرب محمد الخامس نفسه، من جديد، دون طبيب مداوم خلال فترة الحراسة ليوم السبت 27 دجنبر، في وضع وصفه مهنيون بالمقلق، بالنظر إلى أن المؤسسة الوحيدة بالمدينة يفترض أن تؤمّن الحد الأدنى من الخدمات الصحية لساكنة يتجاوز عددها 120 ألف نسمة.
وحسب المعطيات المتوفرة، فإن هذا الخصاص لم يعد حالة استثنائية مرتبطة بظرف عرضي، بل تحوّل إلى وضع شبه دائم، ينعكس مباشرة على جودة الخدمات، ويضع المهنيين في احتكاك يومي مع المرتفقين، خاصة في الحالات الاستعجالية التي لا تحتمل التأجيل ولا يمكن إحالتها بسهولة على مستشفيات أخرى تبعد بعشرات الكيلومترات. ويؤكد مهنيون أن هذا الوضع يخلق حالة من الاحتقان داخل المؤسسة، ويضرب في العمق مبدأ الحق في العلاج، كما يفرغ مفهوم “مستشفى القرب” من مضمونه العملي.
في هذا السياق، أصدر المكتب النقابي بمستشفى القرب وادي زم، التابع للجامعة الوطنية للصحة المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، بياناً استنكارياً حمّل فيه المسؤولية للإدارة الإقليمية والجهوية، مطالباً بتدخل عاجل لسد الخصاص في الأطباء، وضمان شروط العمل والسلامة المهنية، وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الصحية للساكنة. البيان اعتبر أن الإدارة واصلت، خلال السنوات الأخيرة، سياسة تكديس الموارد البشرية دون معالجة الخصاص الحقيقي في الأطر الطبية، ما أدى إلى تضخم عددي في بعض الفئات مقابل عجز خطير في الأطباء، خصوصاً في الحراسة والاستعجالات.
ويأتي هذا الوضع في وقت كانت فيه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية قد أعلنت، خلال الأيام الماضية، عن إطلاق خدمات منشآت صحية جديدة داخل الجهة، في إطار برنامج وطني لتأهيل العرض الصحي وتعزيزه. فقد أشرف الوزير أمين التهراوي على تدشين المركز الاستشفائي الإقليمي بالفقيه بن صالح بطاقة استيعابية تصل إلى 250 سريراً، وبكلفة ناهزت 553 مليون درهم، مع تعبئة طاقم يضم 277 مهنياً صحياً، من بينهم 45 طبيباً، أغلبهم أطباء متخصصون، لتغطية حاجيات ما يقارب 475 ألف نسمة.
كما أعطى الوزير انطلاقة خدمات 14 مركزاً صحياً حضرياً وقروياً بإقليم أزيلال، ضمن ما وصفه الجيل الجديد من مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، مع تجهيزها بمعدات حديثة وتعبئة أطر صحية لتقريب الخدمات من المواطنين وتحسين جودة التكفل، خاصة في مجالات صحة الأم والطفل، وتتبع الأمراض المزمنة، والاستجابة للحالات الاستعجالية.
غير أن مهنيين بوادي زم يعتبرون أن هذه الدينامية، رغم أهميتها، لا تعكس الواقع اليومي الذي تعيشه بعض المدن المتوسطة والصغرى داخل الجهة، حيث ما تزال مؤسسات قائمة تعاني خصاصاً بنيوياً في الأطر الطبية، في غياب حلول عملية وسريعة لسد هذا العجز. ويطرح هذا التفاوت، بحسب متتبعين، إشكال العدالة المجالية في توزيع الموارد الصحية، ومدى قدرة السياسات العمومية الحالية على ضمان حد أدنى موحّد من الحق في الصحة، بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الوزن السياسي والديمغرافي للمدينة.







