في الوقت الذي استبشر فيه المغاربة خيراً بالارتفاع اللافت في التساقطات المطرية خلال الأشهر الأخيرة، واعتبروه مؤشراً على نهاية سنوات الجفاف القاسي، حذّر موقع Press Citron الفرنسي المتخصص، نقلاً عن خبراء في المناخ، من أن هذا التحسن الظرفي لا يعني بأي حال طي صفحة الأزمة المائية البنيوية التي يعيشها المغرب منذ قرابة العقد، بل يندرج في سياق اختلال متزايد في الدورة المناخية العالمية.
وأوضح التقرير أن المملكة سجلت زيادة تقارب 95 في المائة في معدلات الأمطار مقارنة بالسنة الماضية، ما مكّن من رفع نسبة ملء السدود إلى حوالي 46 في المائة في المتوسط، ومنح القطاع الفلاحي، الذي يشكل نحو 14 في المائة من الناتج الداخلي الخام، متنفساً مؤقتاً بعد سنوات من تراجع المحاصيل وفقدان مناصب الشغل. غير أن هذا “الانفراج” يبقى هشاً، بحسب الخبراء، لأن الأمطار الغزيرة والمركزة زمنياً أصبحت من سمات الاحترار العالمي، وليست دليلاً على عودة الاستقرار المناخي.
وأشار المصدر ذاته إلى أن ارتفاع حرارة الغلاف الجوي جعله أكثر قدرة على احتجاز الرطوبة، ما يؤدي إلى تساقطات قوية في فترات قصيرة، بدل أمطار منتظمة وموزعة على الموسم بأكمله. كما نبه إلى أن التربة المغربية، التي أنهكها سبع سنوات من الجفاف والإجهاد الحراري، فقدت في مناطق واسعة قدرتها على امتصاص المياه، ما يجعل جزءاً كبيراً من هذه الكميات يتجه نحو الجريان السطحي والبحار بدل تغذية الفرشات المائية.
ورغم الترحيب الشعبي والاقتصادي بهذه الأمطار، شدد التقرير على أن المخزون المائي الحالي يبقى عرضة للتبخر السريع مع أول موجة حرارة، ما يعيد طرح إشكالية الاعتماد المفرط على التساقطات في بلد يعرف تقلبات مناخية متزايدة. ولهذا، يضيف الموقع، باتت السلطات المغربية مقتنعة بأن الرهان على “رحمة السماء” لم يعد خياراً استراتيجياً كافياً لضمان الأمن المائي.
وفي هذا السياق، استعرض التقرير توجه المغرب نحو تسريع برامج تحلية مياه البحر، بهدف رفع حصة المياه المحلاة في تزويد الماء الصالح للشرب إلى 60 في المائة في أفق 2030، مقابل حوالي 25 في المائة حالياً، مع جعل الساحل الأطلسي مصدراً رئيسياً، وتخصيص مياه السدود بالأساس للسقي الفلاحي وتأمين حاجيات المدن الكبرى.
غير أن هذا الخيار، وفق الخبراء أنفسهم، لا يخلو من مخاطر بيئية واقتصادية، بالنظر إلى الكلفة الطاقية المرتفعة لمحطات التحلية وتأثير تصريف المياه المالحة المركزة على النظم البيئية البحرية، فضلاً عن الجدل الاجتماعي والسياسي المثار حول طريقة تدبير هذا التحول، في ظل اتهامات للحكومة بتغليب منطق المصالح الاقتصادية على اعتبارات العدالة المائية.
وختم التقرير بالتأكيد على أن الأمطار القياسية الأخيرة، رغم أهميتها في تخفيف حدة الأزمة على المدى القصير، لا تعفي المغرب من مواجهة أصل المشكلة، المتمثلة في ندرة بنيوية للمياه وتغير مناخي متسارع، ما يستدعي سياسات طويلة النفس تتجاوز الحلول الظرفية وتوازن بين الأمن المائي وحماية البيئة والاستقرار الاجتماعي.







