في خضم الجدل المتواصل الذي تعرفه المحاكم المغربية بسبب الإضرابات المتكررة لهيئات المحامين احتجاجاً على مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، عاد إلى الواجهة قرار صادر عن محكمة النقض يرسّخ مبدأ مركزياً في منظومة العدالة، يتعلق بوجوب احترام حقوق الدفاع حتى في سياقات الاحتجاج المهني والتوقف الجماعي عن العمل.
القرار، الصادر بتاريخ 15 ماي 2024، وإن كان مرتبطاً بوقائع تعود إلى سنة 2021، إلا أن مضمونه يكتسي راهنية خاصة بالنظر إلى الوضع الحالي الذي تعيشه المحاكم بسبب الشلل الجزئي الناتج عن الإضرابات الوطنية للمحامين.
وتعود وقائع الملف إلى جلسة 21 دجنبر 2021، التي كانت مبرمجة للنظر في قضية معروضة على غرفة الجنح الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بأكادير، تزامناً مع إضراب وطني دعت إليه جميع هيئات المحامين بالمغرب، شمل مقاطعة جلسات المحاكم، استجابة لبلاغ صادر عن نقيب هيئة المحامين بأكادير.
دفاع المتهم التزم بالإضراب ولم يحضر الجلسة، غير أن المحكمة واصلت مناقشة الملف في غيابه، واعتبرته جاهزاً، رغم تقدم الدفاع لاحقاً بطلب إخراج الملف من المداولة وإيداع مذكرة توضيحية، وهو الطلب الذي لم تتم الاستجابة له، قبل أن يصدر القرار الاستئنافي في غياب الدفاع.هذا المسار الإجرائي كان موضوع طعن بالنقض، استند أساساً إلى خرق حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، كما هي منصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية وفي المبادئ الدستورية.
واعتبرت محكمة النقض، وهي تبت في الطعن، أن للمحكمة سلطة تقديرية في تدبير الجلسات وتجهيز الملفات، غير أن هذه السلطة تظل مقيدة بعدم المساس بحقوق الدفاع، التي تشكل، بحسب القرار، من “الدرجة الأولى” ضمن شروط المحاكمة العادلة.
وأكدت المحكمة أن مناقشة الملف في غياب الدفاع، في يوم كان الإضراب فيه معلناً رسمياً ومعلوماً لدى الجميع، يشكل خرقاً صريحاً لحق الدفاع، ويجعل القرار مشوباً بالبطلان.
وبناء على ذلك، قضت محكمة النقض بنقض وإبطال القرار الصادر عن غرفة الجنح الاستئنافية بأكادير، مع إحالة الملف على نفس المحكمة لتبت فيه من جديد بهيئة أخرى، معتبرة أن استمرار مناقشة القضايا خلال أيام الإضراب، دون مراعاة آثار التوقف الجماعي للمحامين، يعرض الأحكام لخطر الإلغاء، ويقوض مبدأ الثقة في المسار القضائي.
ويكتسي هذا القرار أهمية خاصة في السياق الراهن، حيث يشهد قطاع العدالة توتراً غير مسبوق بين وزارة العدل وهيئات المحامين، بسبب مشروع القانون المنظم للمهنة، الذي تعتبره الهيئات المهنية مساساً باستقلالية المحاماة وبوظيفتها الدستورية في حماية الحقوق والحريات وضمان المحاكمة العادلة.
وفي هذا الإطار، يشكل قرار محكمة النقض رسالة قانونية واضحة مفادها أن الاحتجاج المهني، متى كان منظماً ومعلناً ومشروعاً، يفرض على المحاكم تكييف ممارستها الإجرائية بما يحفظ حقوق الأطراف، وفي مقدمتها حق الدفاع، تحت طائلة بطلان المقررات الصادرة في خرق له.
وبذلك لا يقتصر أثر هذا القرار على ملف بعينه، بل يتجاوز ذلك إلى رسم حدود دقيقة بين سلطة المحكمة في تدبير القضايا، وواجبها في حماية الضمانات الأساسية للتقاضي العادل، في ظرفية يعرف فيها القضاء ضغطاً متزايداً بفعل الإضرابات والتجاذبات التشريعية، بما يعيد طرح سؤال التوازن بين انتظام سير العدالة واحترام الحقوق الأساسية للمتقاضين.







