في خطوة تعكس تشديد السلطات على تنزيل قرارات ترشيد استعمال الموارد المائية، باشرت المصالح المختصة بإقليم طاطا، خلال الأيام الأخيرة، عمليات إتلاف مساحات مزروعة بالبطيخ الأحمر، في إطار تفعيل قرار عاملي يقضي بمنع الزراعات المصنفة ضمن الأكثر استنزافا للمياه، على خلفية وضع مائي يوصف بالحرج وغير المسبوق بالمنطقة.
وتأتي هذه العملية في سياق سنوات متتالية من الجفاف الحاد، أثرت بشكل مباشر على التوازنات البيئية والاجتماعية بالإقليم، حيث أفادت فعاليات حقوقية محلية بأن عددا من الجماعات القروية لم تعد تتوفر على الماء الصالح للشرب سوى لساعات محدودة في اليوم، في ظل تراجع مقلق للفرشات المائية وجفاف عدد من الواحات التاريخية.
ووفق معطيات رسمية، سجل الإقليم خلال آخر إحصاء عام للسكان تراجعا ديمغرافيا لافتا، إذ انخفض عدد السكان من 124 ألف نسمة إلى حوالي 111 ألفا، ما يعكس موجة نزوح متزايدة بحثا عن شروط عيش أفضل، بعد تآكل النشاط الفلاحي التقليدي.
مصادر مهتمة بالشأن البيئي حذرت من التعاطي مع التساقطات المطرية الأخيرة بمنطق الاطمئنان، معتبرة أنها تظل غير كافية لتغيير المعطيات البنيوية للأزمة المائية. وفي هذا الصدد، أكدت مصادر من الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة أن نسبة ملء السدود وطنيا لا تتجاوز في المتوسط 50 في المائة، فيما تعتمد المناطق الجنوبية وشبه الصحراوية، التي تمثل أزيد من 60 في المائة من التراب الوطني، بشكل شبه كلي على المياه الجوفية التي يتطلب تجددها آلاف السنين.
وفي مقابل ذلك، تشير نفس المصادر إلى أن القطاع الفلاحي يستهلك ما بين 85 و90 في المائة من الموارد المائية المتاحة، ما يجعل ضبط حفر الآبار واستعمال المياه الجوفية أمرا حاسما لضمان الأمن المائي مستقبلا. وتعتبر زراعة البطيخ الأحمر من أكثر الزراعات إثارة للجدل، بالنظر إلى طابعها التصديري وكلفتها المائية المرتفعة، خاصة في مناطق هشة بيئيا مثل طاطا وزاكورة.
من جانبها، ترى فعاليات من المجتمع المدني أن تطبيق قرار المنع، رغم قسوته الظاهرة، يندرج ضمن منطق حماية مورد حيوي بات مهددا بالنضوب، غير أنها تشدد في المقابل على ضرورة مواكبته بإجراءات اجتماعية واقتصادية موازية.
وتطالب هذه الأطراف بإطلاق برامج دعم مالي وتقني لفائدة الفلاحين الصغار، لمساعدتهم على التحول نحو زراعات أقل استهلاكا للمياه وأكثر انسجاما مع خصوصيات المنظومة الواحية، مثل الحبوب المحلية أو الزراعات العلفية المقاومة للجفاف.
وتحذر نفس الفعاليات من أن الاقتصار على المقاربة الزجرية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال تعميق الهشاشة الاجتماعية ودفع مزيد من الأسر القروية إلى الهجرة، معتبرة أن الرهان الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين حماية الموارد الطبيعية وضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي بالمناطق المتضررة من التغيرات المناخية.







