تقرير شهير لشركة “كتاليست ماينز”، الكندية المتخصصة في استكشاف المعادن، صدر قبل عام من الزمن، يقول أن منطقة “أماسين” بإقليم وارزازات ترقد فوق خام من المعادن الأساسية يقدر بـ 609 ملايين طن، وبقيمة 60 مليار دولار: 600 مليار درهم؛ 60 ألف مليار سنتيم.
طبعا أول ما فعلته، وبكل شعبوية، حمل الآلة الحاسبة وتقسيم المبلغ على عدد سكان المغرب، فوجدت 1621 دولار؛ مليون ونصف المليون حبة لجميع السكان من أصغر جنين لأشيخ عجوز.
تبسيط القسمة بهذه الطريقة لا يدل على إمكانية حصولها فعلا، بل يُحيل إلى التناقض الصارخ في جهة تُصنف من الأفقر وطنيا، رغم كونها ترقد على كنز من المعادن. جهة من الرائج أن تلاحظ بها طفلا حافي القدمين، ليس لأنه “داسر” بل لأنه فقير ابن فقير مُعدم!
أي تلميح لمدى استفادة الناس من ثرواتهم من طانطان حتى طنجة، يُصنف عند المؤلفة جيوبهم شعبوية تُدغدغ مشاعر وقلوب الناس. حتى المشاعر يدعون الحرص عليها ويسعون للتحكم بها؛ يريدونك آلة للعمل، مرحاضا للاستهلاك، بوقا للهتاف وطبلا للتطبيل.
من “طاح” حتى الكويرة، ورغم انتماءها لهذا الوطن العزيز، إلا أن المؤلفة جيوبهم لا يجرؤون على وصف اشتراط الأمم المتحدة استفادة سكان الصحراء المغربية مباشرة من خيرات منطقتهم؛ حتى الأمم المتحدة شعبوية ياك؟ مبادئ الاقتصاد عند النكافات حدها المناطق المسترجعة قبل 1975!!!
لنبقى إذن في “منطقتهم”، ولنبرهن أن مبادئ الحكامة والعلوم والتسيير والحداثة، لم تُطبق يوما سوى على المسحوقين، كي يظلوا كذلك!!
700 ألف هكتار من أجود الأراضي الفلاحية وُزعت على المقربين من دوائر الحكم بين 1956 و2004، دون معيار اقتصادي واحد، سوى الولااااااااء، وحده. مجمل القطاعات الحلوبة تم خصخصتها دون جدوى اقتصادية حقيقية سوى الرغبة في التهام الأخضر واليابس؛ من الصناعة للنقل، مرورا بالبنوك وليس انتهاء بمصفاة لسامير التي بيعت بأقل من ثلث ثمنها الحقيقي بعد دخولها البورصة بـ عام: 400 مليون دولار.
خصخصة يظهر طابع “النخبوية عليها”، إذا علمنا أن مجموع ما أدخلتها للخزينة منذ اعتمادها رسميا عام 1993 وحتى نهاية العقد الثاني من الألفين، لم يتجاوز 120 مليار درهم؛ وهو بالضبط مجموع أرباح شركة واحدة مخصخصة (اتصالات المغرب ) حتى العام نفسه.
من الأعمال الكبيرة ننتقل لـ “الميكرو”. فالشعبوية لا يدخل في نطاقها 100 ألف موظف شبح يسرقون الدولة في 10 مليارات درهم كل سنة، بدون مساهمة بريال واحد في اقتصادها. أشباح اعترفت عمدة الرباط بتحويلها أجور 2500 منهم كل شهر داخل جماعتها. مع الإشارة أنهم لا يترقوْن؛ أوووه عتقنا خزينة الدولة!!
الأشباح ليسوا فقط موظفين، بل هم خدام كبار للدولة يتمتعون بحقوق حصرية للصيد في أعالي البحار ببواخر عملاقة متهالكة، تذر عليهم عشرات المليارات، وتهلك التنوع البيولوجي كما وكيفا بمواد سامة، وشباك صغيرة تحتجز آلاف الأطنان من بيض السمك وصفاره. وطبعا، لا حديث لا عن ضريبة، ولا عن رسوم، لا عن طلبات عروض ولا عن تنافس: كنوز يرثونها جيلا بعد جيل.
شعبوية الولاء لا حد لها؛ فبها وعن طريقها لا زالت الدولة توزع العبيد على مواطنيها الأوفياء، فتمنح مأذونية نقل لشخص كي يستعبد بها جاره وصديقه وابن مدينته: هاك الإذن سير خدم وجيب لي صالير كل شهر، ها أنا نائم في انتظارك!
شعبوية تُعرض شواطئ البلاد لأكبر عمليات تعرية تهددها في التاريخ، فتمنح رخص استغلال لثروات البلاد الرملية ما أنزل بها الله من سلطان، حتى في أكثر البلدان تخلفا وهمجية.
الماء المعدني المعطي من الله هبة للجميع، يوزع في أجمل البلدان بمراسيم حصرية سارية منذ فجر الاستقلال إلى يوم يُبعثون:”علي” لعائلة، و”حرازم” لعائلة أخرى. وأنت لك الاستهلاك والهتاف، وإلا فخائن عميل عدمي لا وطني!!
مع بعض “التمدن” وقليل من الوثائق، ندخل متاهة أخرى من الشعبوية “الكلاص”، حيث قطاعات كالتأمينات، البنوك والمحروقات محتكرة من قلة قليلة تفرض ما يناسبها من أسعار، تكون عالمية في الارتفاع وطنية في الانخفاض. بمشاريع وقوانين على المقاس تجعل من الدخول قصد التربح في الميدان انتـ.ـحارا، ومن إمكانية الخروج لتقليل الخسارة “معجزة”.
للقصة بقية….







