أعاد البرلماني عبد الرحيم بوعيدة فتح واحد من أكثر ملفات “الكان 2025” إثارة للجدل، واضعاً تحت المجهر الطريقة التي دُبّرت بها حملات الترويج للمغرب عبر استقدام مؤثرين أفارقة بأموال عمومية، انتهى بعضهم، بحسب تعبيره، إلى السخرية من خسارة المنتخب المغربي في النهائي بدل الدفاع عن صورة البلد الذي احتضنهم وموّل حضورهم.
وتحدث بوعيدة، في تصريحات مصوّرة على حساباته بمواقع التواصل، بلغة غاضبة عن “غصّة في الحلق” يشعر بها المغاربة بعد ما اعتبره سوء تدبير وتقدير في ملف التواصل الموازي لكأس أمم إفريقيا، مبرزاً أن مؤثراً إفريقياً جرى توفير إقامة فاخرة له، واغداق تعويضات باهظة عليه، قبل أن ينشر فيديو يسخر فيه من هزيمة المغرب أمام السنغال، فيما ظهرت مؤثرة من بوركينافاسو في مختلف المباريات تشجع خصوم “الأسود” دون أن تُسجّل لها أي لقطة مساندة للمنتخب الوطني، رغم الأموال التي تلقتها في إطار حملة رسمية للترويج للمملكة.
في المقابل، استحضر البرلماني نموذجاً معاكساً، اعتبره كاشفاً لخلل عميق في منطق الصفقات التواصلية، حين قارن بين هؤلاء المؤثرين المدعوين بعقود مدفوعة، وبين المؤثر السعودي خالد العليان، الذي حلّ بالمغرب على نفقته الخاصة، وشجّع المنتخب الوطني، وطاف بعدد من المدن والمواقع السياحية، مطلقاً حملة ترويجية تلقائية حصدت، وفق بوعيدو، أزيد من مئة مليون مشاهدة عبر مختلف منصاته. المثال، في نظره، يطرح سؤال الجدوى من صرف الملايين على مؤثرين “مستوردين” في وقت يمكن فيه لصورة المغرب أن تسوّق نفسها عبر محتوى عفوي أكثر صدقية وتأثيراً.
ولم يقف المصدر ذاته عند حدود الوقائع الفردية، بل ربطها مباشرة بصفقات أبرمها المكتب الوطني المغربي للسياحة الذي يقود “أشرف الفائدة”، من بينها عقد بقيمة مليار سنتيم مع مؤثر مغربي من أجل جلب مؤثرين أفارقة، وصفقة أخرى قُدّرت بأربعة ملايير سنتيم، معتبراً أن ما كُشف عنه ليس سوى “جزء من كل”، وأن الرأي العام المغربي محق في طرح علامات استفهام حول مسارات صرف المال العام في ملف كان يفترض أن يخضع لأقصى درجات الحكامة والشفافية، خصوصاً في سياق حدث قاري تابعه مئات الملايين عبر النقل التلفزيوني المباشر.
هذه الانتقادات تجد صدى لها في الجدل الذي فجّرته، نهاية دجنبر الماضي، صفقة تواصلية خصص لها المكتب الوطني للسياحة حوالي مليار سنتيم لفائدة مؤثر مغربي، أُنجزت خارج مسطرة طلبات العروض، وشملت استقدام “يوتيوبرز” ومؤثرين أثار بعضهم السخرية بحركات بهلوانية ومقاطع استعراضية داخل مدن مغربية. منتقدو الصفقة اعتبروا أن الرهان على هذا النوع من المحتوى السريع الاستهلاك يسيء لصورة بلد راهن على تنظيم “كان” بمعايير عالمية، وأن تغطية البطولة قارياً ودولياً تجعل من صرف هذه المبالغ الضخمة أمراً غير مبرر، بل عبثياً، في وقت يحقق فيه المؤثرون أنفسهم أرباحاً إشهارية من المحتوى الذي ينشرونه عن المغرب.
وذهب بوعيدة أبعد من ذلك، حين اعتبر أن ما رافق النهائي لم يكن مجرد إخفاق رياضي، بل حلقة ضمن مناخ مشحون اختلطت فيه الرياضة بالسياسة بشكل “غريب”، بفعل، حسب تعبيره، صدمة بعض الدول الإفريقية والعربية من مستوى البنيات التحتية المغربية ومن التطور الذي بلغه البلد. وأعاد التأكيد على أن المغرب “محسود” على موقعه الاستراتيجي، واستقراره، وتنوعه الثقافي والغنى السياحي، معتبراً أن حملة التشويش التي رافقت البطولة، خاصة الادعاءات المتعلقة بشراء ذمم الحكام، لم تكن بريئة، بل غذّتها أطراف إقليمية منذ انطلاق المنافسات.
في هذا السياق، توقف البرلماني عند ما وصفه بـ“الشماتة” التي رافقت النهائي، مشيراً إلى سلوك المدرب والمنتخب السنغالي داخل رقعة الملعب، ومعتبراً أن تخوف الطاقم المغربي من الانسحاب، رغم أن القوانين كانت ستمنحه اللقب، جاء تفادياً لترسيخ صورة أن المغرب ربح الكأس بتحكيم منحاز، وهو ما اعتبره سقوطاً في فخ “البروباغندا” الجزائرية التي سعت إلى التشويش على نجاح التنظيم المغربي.
وبعيداً عن القراءة الانفعالية، يفتح هذا الجدل من جديد ملف التواصل الرياضي والمؤسساتي في المغرب، ودور شبكات العلاقات داخل جامعة الكرة ومحيطها، حيث برز خلال الأشهر الماضية اسم عمر الخياري كأحد مهندسي هذا التوجه نحو استقطاب المؤثرين، في سياق يختلط فيه السوق بالرياضة والإعلام، ويُطرح فيه سؤال مركزي، حول ما إذا كان بلد راكم تجربة تنظيمية وديبلوماسية ورياضية بحجم المغرب إلى هذا النوع من الدعاية المكلفة، أم أن الأمر تحوّل إلى قناة موازية لصرف المال العام بلا أثر واضح ولا محاسبة سياسية وإدارية.







