أعاد توقيع المغرب على الميثاق التأسيسي لـ“مجلس السلام” الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في لحظة دولية دقيقة، فتح ملف أدوار الرباط داخل الترتيبات السياسية والأمنية التي تسعى واشنطن إلى هندستها خلال الولاية الثانية لترامب، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في عدد من النزاعات المزمنة التي تشكل عبئًا على النظام الدولي. غير أن القراءة الأوسع لهذه الخطوة تتجاوز بعدها المتصل بقطاع غزة أو بإدارة وقف إطلاق النار، لتلامس مباشرة أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية المغربية، وهو ملف الصحراء، في سياق دولي يتسم بإعادة ترتيب موازين التأثير داخل مجلس الأمن وتنامي منطق التكتلات غير التقليدية.
من الناحية الشكلية، ينخرط المغرب في إطار دولي جديد محدود العضوية، تقوده الولايات المتحدة مباشرة، ويجمع دولًا توصف داخل الدوائر الأمريكية بأنها “فاعلة وقابلة للاشتغال السياسي السريع”. غير أن المعنى السياسي الأعمق يتجلى في إدراج الرباط داخل دائرة القرار غير الرسمي الذي يسعى ترامب إلى بنائه خارج القنوات الأممية التقليدية، وهو ما يمنح المغرب موقعًا متقدمًا في شبكة التأثير الأمريكي خلال مرحلة يُنتظر أن تعرف فيها السياسة الخارجية لواشنطن نزوعًا أوضح نحو الحلول الثنائية والمتعددة الضيقة، على حساب الأطر الأممية الواسعة.
في هذا السياق، يرى دبلوماسي مغربي سابق تحدث الى نيشان، أن انضمام الرباط إلى هذا المجلس “ليس مجرد مشاركة رمزية في مبادرة سلام، بل تموقع محسوب داخل منصة أمريكية جديدة ستُستعمل، عاجلًا أم آجلًا، كأداة لإعادة ترتيب عدد من النزاعات التي تعتبرها واشنطن قابلة للحسم أو لإعادة التوجيه السياسي”.
ويضيف المصدر ذاته أن المغرب “قرأ مبكرًا أن ولاية ترامب الثانية ستكون ولاية صفقات كبرى أكثر منها ولاية إدارة أزمات، وهو منطق ينسجم مع طبيعة ملف الصحراء في مرحلته الحالية”.
الرهان المغربي في هذا الإطار يرتبط أساسًا بتقاطع ثلاثة عناصر دولية نادرة الحدوث في آن واحد. أولها عودة ترامب إلى البيت الأبيض وهو يحمل إرث الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020، دون أن يتراجع عنه أي من خصومه السياسيين خلال السنوات اللاحقة. ثانيها صدور القرار الأخير لمجلس الأمن الذي ثبت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأرضية وحيدة واقعية للتفاوض، بعد سنوات من تآكل أطروحة الاستفتاء داخل دوائر الأمم المتحدة. وثالثها شروع الإدارة الأمريكية الجديدة في بناء أطر موازية للتأثير الدولي خارج مجلس الأمن، في محاولة لتجاوز ما تعتبره “عجزًا بنيويًا” في آليات الحل الأممية.
في هذا السياق، يرى “أحمد بنور” الباحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية، أن مجلس السلام “قد يتحول عمليًا إلى فضاء سياسي لإعادة تعريف مفهوم بناء السلام، خارج القيود الصارمة للنزاعات المدرجة رسميًا على جدول أعمال الأمم المتحدة”.
ويوضح “بنور” أن وجود المغرب داخل هذا الإطار “يتيح له فرصة تقديم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها نموذجًا لحل نزاع إقليمي طويل الأمد بآليات سياسية وتنموية، وليس فقط بآليات تقرير المصير الكلاسيكية”. غير أن الباحث نفسه يحذر من المبالغة في تقدير قدرة هذا المجلس على إحداث تحول مباشر في وضعية النزاع، معتبرًا أن “أي حسم نهائي يظل قانونيًا بيد مجلس الأمن، حتى لو تغيرت خرائط التأثير حوله”.
مع ذلك، تشير مصادر أخرى إلى أن إدارة ترامب تميل، في ولايتها الثانية، إلى تقليص هامش المناورة أمام الملفات التي تعتبرها “ناضجة للحسم”، وفي مقدمتها ملف الصحراء.
وتؤكد المصادر ذاتها أن “اللغة الجديدة للقرارات الأممية لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة ضغط أمريكي متزايد لإغلاق هذا النزاع أو على الأقل إخراجه من خانة النزاعات المفتوحة إلى خانة النزاعات المُدارة سياسيًا ضمن السيادة المغربية” مضيفة ” أن انضمام الرباط إلى مجلس السلام “يعزز صورتها كشريك استراتيجي موثوق في منطق إدارة النزاعات، وهو عنصر أساسي في أي مسار حسم”.
في المقابل، يسود داخل الرباط نوع من الحذر الاستراتيجي في التعامل مع هذا الزخم. فمصادر مطلعة تعتبر أن “الاقتراب المفرط من المبادرات الأمريكية قد يحمل كلفة سياسية في حال تبدلت موازين القوى داخل واشنطن أو داخل مجلس الأمن”، خاصة وأن عددا من الأطراف الإقليمية المناوئة للمغرب ما زال يراهن على إطالة أمد النزاع عبر تحريك ملفات حقوق الإنسان أو الطعن في آليات تمثيل الساكنة. وتشير المصادر إلى أن “المعركة الحقيقية لم تُحسم بعد، بل انتقلت من مربع الشرعية القانونية إلى مربع الشرعية السياسية والتنموية”.
من زاوية أخرى، يلفت “أحمد بنور” الباحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية إلى أن مجلس السلام قد يوفر منصة غير رسمية لنسج تحالفات داعمة لمقترح الحكم الذاتي داخل دوائر لم تكن منخرطة تقليديًا في ملف الصحراء. ويقول إن “وجود دول من آسيا وأمريكا اللاتينية داخل هذا المجلس يفتح إمكانية بناء كتلة سياسية جديدة داخل الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، بما يحد من قدرة خصوم المغرب على تدويل الملف خارج مجلس الأمن”.
غير أن هذا السيناريو يبقى مشروطًا بعامل الزمن وبطبيعة الأولويات التي ستحكم أجندة ترامب خلال السنوات المقبلة. فمصادر أمريكية قريبة من مراكز القرار تشير إلى أن الإدارة الجديدة تعتبر النزاع في الصحراء “ملفًا قابلًا للتصفية السياسية” في أفق الولاية الحالية، لكن دون استعجال قد يربك توازنات إقليمية دقيقة، خصوصًا في ظل علاقات واشنطن المعقدة مع الجزائر ومع عدد من القوى الأوروبية.







