بعد مرور ما يقارب ثماني سنوات على تأسيس الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، التي كان يُفترض أن تضطلع بدور مركزي في جعل المغرب منصة إقليمية جاذبة للاستثمارات الكبرى، يعود النقاش مجددًا حول حصيلتها الفعلية، في ظل شعور متزايد داخل الأوساط الاقتصادية بأن الزمن المؤسسي للوكالة لم يُترجم بعد إلى أثر اقتصادي واضح.
فالوكالة، التي أُحدثت سنة 2017 في إطار إعادة هيكلة طموحة جمعت ثلاث مؤسسات عمومية تحت سقف واحد، رُوّج لها آنذاك باعتبارها أداة الدولة لتبسيط مساطر الاستثمار وتوحيد مخاطبة المستثمرين. غير أن فاعلين اقتصاديين يعتبرون اليوم أن هذا الرهان ظل، إلى حد كبير، حبيس النصوص والتصورات، دون أن يواكبه تحول ملموس في طريقة جلب المشاريع الاستثمارية المهيكلة أو تسريع تنزيلها.
مصادر مهنية مطلعة تؤكد أن المشاريع الكبرى التي غيّرت خريطة الاستثمار بالمغرب خلال السنوات الأخيرة جرى التفاوض بشأنها خارج قنوات الوكالة، وعلى مستويات أعلى من القرار، سواء عبر تدخل مباشر من القصر أو عبر وزارات وقطاعات منخرطة في الدبلوماسية الاقتصادية.
وتضيف هذه المصادر أن دور الوكالة غالبًا ما يأتي في مرحلة لاحقة، مرتبطة بالمواكبة الشكلية أو بالتأطير المؤسساتي، أكثر منه دورًا مبادرًا أو حاسمًا في جذب الاستثمار.
وتُقارن هذه الوضعية بما حققته وكالات استثمار بدول منافسة في محيط المغرب الإقليمي. ففي مصر، على سبيل المثال، يُنسب للهيئة العامة للاستثمار دور مباشر في التفاوض حول مشاريع صناعية كبرى، مع امتلاكها صلاحيات موسعة لتجاوز العراقيل الإدارية.
أما في تونس، فقد تحولت وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي إلى فاعل تقني يقيس أداءه بعدد المشاريع الموقعة والمناصب المحدثة، لا بعدد اللقاءات المنظمة.
وفي رواندا، التي باتت تُقدَّم كنموذج إفريقي صاعد، تُعد وكالة التنمية ركيزة مركزية في جذب الاستثمارات، بفضل سرعة القرار وربط الترويج بالالتزام الفعلي بتنزيل المشاريع. وحتى في السعودية، أعيدت هيكلة وزارة الاستثمار ومنحت ذراعها التنفيذي هامش تدخل واسع، جعلها فاعلًا مباشرًا في استقطاب الرساميل العالمية.
في المقابل، ورغم الحضور المكثف لمسؤولي الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات في المعارض والملتقيات الدولية، خاصة بأوروبا ودول الخليج، يشكك مهنيون في العائد الاقتصادي لهذه المشاركات، معتبرين أن كثافة التمثيل لا تعني بالضرورة فعالية الجذب، ما دام عدد المشاريع المعلنة لا يُقابله بالضرورة انتقال سريع إلى مراحل التنفيذ أو خلق قيمة مضافة واضحة.
وعلى المستوى الداخلي، لا تبدو حصيلة الوكالة أكثر إقناعًا، إذ يلاحظ فاعلون اقتصاديون أن تدخلاتها تنحصر في تنظيم لقاءات تواصلية أو استقبال وفود أجنبية في إطار أنشطة بروتوكولية، دون أن تقترن بمؤشرات أداء دقيقة تقيس الأثر الفعلي على الاستثمار والتشغيل.
هذه المعطيات تعيد طرح أسئلة حول الرؤية الاستراتيجية المعتمدة لتدبير الوكالة، خصوصًا في ظل إشراف وزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية على القطاع، بقيادة الوزير كريم زيدان. ويزداد هذا النقاش حدة إذا ما استُحضر أن الميزانية الاستثمارية للوكالة لم تتجاوز، حسب معطيات سنة 2024، سقف 38 مليون درهم، وهو رقم تعتبره المصادر غير منسجم مع حجم الرهانات المرتبطة بتنافسية المغرب في سوق الاستثمارات الدولية.
وأمام هذا الوضع، يدعو فاعلون اقتصاديون إلى إخضاع أداء الوكالة لتقييم موضوعي وشفاف، يُحدد بدقة مكامن الخلل ويُميز بين الأدوار المؤسساتية، في وقت يرفع فيه المغرب من سقف طموحاته الاقتصادية ويواجه منافسة إقليمية ودولية متزايدة على جذب الرساميل والمشاريع الكبرى.







