وَجدَ منتجو ومصدرو التمور التونسية أنفسهم في خضم أزمة مفاجئة، بعدما علقت شحنات كبيرة من تمر “دقلة نور” في الموانئ المغربية، عقب قرار السلطات المغربية إعادة تفعيل نظام حصص الاستيراد بشكل فوري ودون إشعار مسبق للفاعلين المهنيين، ما أدخل واحدة من أهم السلاسل التصديرية في شمال إفريقيا في حالة شلل شبه تام.
مصادر مهنية مطلعة أفادت بأن القرار دخل حيز التنفيذ مع نهاية دجنبر، في وقت كانت فيه شحنات كاملة قد غادرت الموانئ التونسية في اتجاه الدار البيضاء وطنجة، في إطار تعاقدات تجارية مبرمة مسبقاً مع مستوردين مغاربة.
ومع بدء تطبيق النظام الجديد، توقفت عمليات التفريغ والتخليص الجمركي بشكل شبه كلي، باستثناء حالات محدودة جرى التعامل معها وفق مساطر استثنائية مرتبطة بإكراهات مالية أو التزامات بنكية عاجلة.
وتأتي هذه الأزمة في سياق موسم إنتاج قياسي بتونس، بلغ حوالي 404 آلاف طن، من ضمنها نحو 347 ألف طن من صنف “دقلة نور”، الذي يمثل العمود الفقري لصادرات البلاد من التمور، ويحتل موقعاً خاصاً في السوق المغربية، باعتباره الأكثر طلباً لدى المستهلكين، خصوصاً خلال شهر رمضان الذي يشكل ذروة الاستهلاك السنوي.
من جهتهم، وصف مهنيون تونسيون ما جرى بـ”الاختناق التنظيمي”، معتبرين أن الإشكال لا يرتبط بمبدأ حماية الإنتاج الوطني المغربي، بل بطريقة تنزيل القرار. فالتطبيق الفوري، بحسبهم، أربك سلاسل التموين، وقطع مسارات توزيع مستقرة منذ سنوات، وأدخل القطاع في حالة جمود مفاجئة.
وتشير معطيات مهنية إلى أن ما بين 12 و15 ألف طن كانت في طور الشحن أو مبرمجة للتسليم خلال الفترة الممتدة بين أواخر دجنبر وبداية يناير، قبل أن تتوقف الحركة التجارية دفعة واحدة.
في المقابل، تستند المقاربة المغربية إلى منطق حماية المنتوج المحلي، في موسم عرف تحسناً في الإنتاج داخل الواحات الجنوبية الشرقية، مدفوعاً بظروف مناخية مواتية، حيث سجلت بعض المناطق ارتفاعاً في المردودية بنسبة تناهز 18 في المئة مقارنة بالموسم السابق، وفق تقديرات مهنية متداولة داخل القطاع.
غير أن فاعلين تونسيين يشددون على خصوصية “دقلة نور”، معتبرين أنها لا تدخل في منافسة مباشرة مع الأصناف المغربية المحلية، بحكم اختلاف طبيعة الاستهلاك والسوق المستهدفة، إضافة إلى كونها غير مزروعة محلياً، ما يجعلها، في نظرهم، خارج منطق “حماية الإنتاج الوطني” بالمعنى التقليدي.
ويحتل المغرب موقعاً مركزياً في خريطة تجارة التمور العالمية، باستيراده ما يقارب 109 آلاف طن سنة 2024، تشكل التمور التونسية حوالي ربعها. أما بالنسبة لتونس، فيُعد السوق المغربي الوجهة الأولى للصادرات، مستوعباً نحو 22 في المئة من مجموع صادرات موسم 2024-2025، ما يمنحه بعداً استراتيجياً في توازنات القطاع.
في السياق ذاته تحدثت المصادر، عن اتصالات غير معلنة بين فاعلين مهنيين من الجانبين، بحثاً عن مخارج مرنة للأزمة، من قبيل اعتماد حصص استثنائية ظرفية، أو آليات انتقالية تسمح بتصريف جزء من المخزون المتراكم، خاصة مع اقتراب شهر رمضان وارتفاع الطلب الموسمي. غير أن هذه الاتصالات، إلى حدود الساعة، لم تترجم إلى قرارات عملية.







