كشف المجلس الأعلى للحسابات في تقريره الأخير عن أعطاب بنيوية ومالية واضحة في نظام “AMO تضامن”، الذي يواجه تحديات متنامية تهدد استدامته وقدرته على الاستجابة لحاجيات المواطنين. فقد بين التقرير أن الفترة الممتدة بين سنتي 2022 و2024 شهدت تغيرات لافتة في تركيبة المنخرطين، مع تراجع نسبة كبار السن الذين تجاوزت أعمارهم 60 سنة مقابل ارتفاع ملحوظ في عدد الشباب المنخرطين، لاسيما في الفئة العمرية من 15 إلى 30 سنة، حيث سجل عام 2023 ارتفاعاً بنسبة 113% في أعدادهم، ما رفع حصتهم من إجمالي المسجلين من 9% سنة 2022 إلى 14% سنة 2023. ويشير المجلس إلى أن هذا التحول، في ظل ضعف إدماج الشباب في سوق العمل واعتمادهم على أنظمة التأمين القائمة على الاشتراك، يفاقم الضغوط على نظام “AMO تضامن”، الذي يمول بالكامل من ميزانية الدولة، ويضع أمام صناع القرار تحديات كبيرة لضمان استدامته المالية.
ويبرز التقرير أن نجاح النظام رهين بتحسين جودة الخدمات الصحية وجاذبيتها في القطاع العام، وهو ما لا يزال يمثل نقطة ضعف كبيرة، إذ يسيطر القطاع الخاص على نحو 79% من نفقات النظام العلاجية، مقابل 21% فقط للمؤسسات الصحية العمومية، ما يعكس محدودية قدرة القطاع العام على استقطاب المستفيدين والمهنيين الصحيين ويضاعف اعتماد المؤسسات العمومية على الدعم المالي من الدولة لضمان استمرار خدماتها. ويرى المجلس أن هذا الوضع يخلق عبئاً مزدوجاً على الميزانية العامة، حيث تتحمل الدولة في الوقت ذاته دفع مساهمات المنخرطين وتمويل أغلب نفقات القطاع العمومي، مما يعكس هشاشة النظام وافتقاره إلى آليات تمويل مستدامة.
وأكد التقرير أن هذه الأعطاب البنيوية والمالية تتطلب إصلاحات عاجلة على مستويات متعددة، بما في ذلك استكمال الإطار القانوني والتشريعي للتأمين لضمان التعميم الفعلي وإصدار جميع النصوص التطبيقية، وإرساء إطار مالي متكامل يحدد الموارد والنفقات السنوية ويتيح تتبع التوازن المالي للنظام، إضافة إلى إحداث نظام معلوماتي مندمج لتدبير ومراقبة جميع مكونات التأمين بكفاءة، وإصلاح مقياسي تدريجي للتأمين الخاص بالموظفين للحفاظ على استدامته، وضبط النفقات المتزايدة للنظام وتحسين استهداف الفئات المشمولة، وفرض آليات إلزامية للانخراط المنتظم لعمال غير الأجراء وضمان انتظام اشتراكاتهم، وتعزيز التكامل بين سياسات التأمين والسياسات الاقتصادية والاجتماعية لتمكين الشباب والفئات غير القادرة على تحمل الاشتراكات من الاندماج في سوق العمل والانتقال إلى أنظمة قائمة على المساهمة.
ويخلص المجلس الأعلى للحسابات إلى أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل إصلاحي قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط المالية على الدولة وتقويض فعالية النظام، وأن تحسين جودة الخدمات العمومية، ضبط النفقات، وتوسيع الإدماج المهني للشباب يمثلون عناصر أساسية لضمان استدامة هذا النظام الاجتماعي الحيوي وحماية حقوق المستفيدين، مؤكداً على أن الإصلاح الشامل لم يعد خياراً بل ضرورة ملحة.







