شرعت غرفة جرائم الأموال بالرباط في محاكمة المديرة السابقة لأكاديمية التربية بالرباط، بعد تحقيقات امتدت لسنوات من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية.
وركزت التحقيقات على طريقة تدبير جزء من المليارات المخصصة لصفقات البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم، وهو الملف الذي تفجر بعد تسريب مكالمات هاتفية منسوبة للتجيانية فرتات، المديرة السابقة لأكاديمية الرباط.
تم الاستماع من طرف عناصر الفرقة لعدد من المسؤولين الذين كانوا على صلة إدارية أو محاسباتية بعشرات الصفقات المتعلقة بشراء العتاد الديداكتيكي، وهي المعدات التي تبين لاحقاً أنها إما غير صالحة أو اختفت بشكل غامض من المستودعات أو من المؤسسات التعليمية التي كانت من المفترض أن تتسلمها.
وتركزت التحقيقات على قاعة البيانات الخاصة بتوريد هذه المعدات، حيث تم الوقوف على خلاصات خطيرة تشمل التلاعب بالمعطيات وشواهد الاستيراد التي تخص كميات كبيرة من العتاد الذي سلم على أساس أنه مستورد، في حين أنه صُنع في ورشات بأحياء شعبية.
وتضمنت التسريبات الهاتفية أسماء عدد من مدراء الأكاديميات والنواب، إلى جانب أطر تتحكم في صنع القرار بوزارة التربية الوطنية، ورجال أعمال من دول خليجية وإفريقية لهم علاقة بجلب معدات مستعملة لإعادة تدويرها في صفقات البرنامج مقابل عمولات ورشاوى، على أساس أنها جديدة ومستوردة من الخارج.
وتطابقت خلاصات تحقيق الفرقة الوطنية مع المعطيات التي وردت في الشكاية المباشرة التي قدمتها جمعيات حماية المال العام، والتي كشفت فضائح خطيرة عن الطريقة التي كان يتم بها توجيه صفقات البرنامج، الذي كلف حوالي 47 مليار درهم. وأكدت الشكايات أن جزءاً مهما من المعدات التي تم توريدها تحول إلى متلاشيات لعدم قابليتها للاستغلال، أو لم يصل أصلاً إلى المؤسسات التعليمية رغم وجودها في الوثائق التي اعتمدت في افتحاص سابق.
كما تضمنت التسريبات تهديدات جنائية، ضمن محاولات بعض الأطراف للإيقاع بمسؤولين آخرين في إطار تصفية حسابات، عبر تجميع معطيات تدينهم مقابل وعود بشراء شقق أو منح مكافآت مالية. وكشفت التسريبات أيضاً عن الطريقة التي كان يتم بها “طبخ” الصفقات والتحكم في مسارها قبل تتبعها لدى المسؤولين المكلفين بالتأشير عليها.
كما نبهت الشكايات إلى أن بعض المعدات المقتناة ضمن البرنامج الاستعجالي كانت مقلدة أو عبارة عن خردة أعيد صيانتها أو “فُبركت” في ورشات بدرب غلف بالدار البيضاء وحي الرحمة بسلا، قبل إدراجها ضمن الصفقات على أساس أنها مستوردة وتستوفي الشروط والمواصفات الواردة في دفاتر التحملات، ما أدى إلى تسليم بعض المؤسسات التعليمية مختبرات وتجهيزات ناقصة حالت دون استفادة التلاميذ منها.
وكشف الملف عن ثغرة كبيرة في الحكامة، بعد أن ظلت المفتشية العامة للوزارة خارج التغطية قبل انكشاف التسريبات وتقديم شكايات من طرف جمعيات حماية المال العام.
وانتهت التحقيقات بتورط بعض المسؤولين في عدم احترام الضوابط في صفقات العتاد الديداكتيكي وصرف مبالغ ضخمة على شراء المعدات من خلال صفقات وسندات طلب مبرمة مع شركتين ورد اسمهما في التسريبات الهاتفية، ليتم التأكد من أن جزءاً كبيراً من المعدات تحول إلى متلاشيات، وأن بعض المختبرات المتحركة التي كلفت 24 مليون سنتيم لكل مختبر، تحولت إلى وعاء لتخزين الملابس والأحذية.
ووفق مصدر مطلع، فإن النبش في ملفات البرنامج الاستعجالي ركز فقط على صفقات العتاد،و لم يشمل جميع الرؤوس الكبيرة، إذ تم تغييب معطيات مهمة في الافتحاص السابق للبرنامج الاستعجالي، الذي اقتصر على الوثائق دون البحث والتدقيق في طبيعة بعض الصفقات المقتناة بمئات الملايين من الدراهم.
وبينت التحقيقات أن التركيز كان على “توزيع” أموال المعدات وعمليات الضغط على بعض المسؤولين للإفراج عن مستحقات معدات مقلدة أو فاسدة، فيما لم تبادر المفتشية العامة للوزارة لتحديد أوجه صرف مبالغ ضخمة ضمن البرنامج الاستعجالي وخاصة منها صفقة شراء 500 سيارة والتي كان المفتش العام الحالي للوزارة على علم بجميع تفاصيلها .







