يكاد المتتبع للشأن العام أن يصبح عضوا في مدرسة الفنان الانطباعي ” فانغوغ” صاحب لوحات بيعت بالملايين بعد أن مات المبدع فقيرا. الفن الانطباعي يتركك تتبع آثار ريشة يرقصها الفنان ولا تكتمل اللوحة إلا إذا كانت الريشة ملحاحة على إيصال الصورة مكتملة المعالم. صرحت ” رئيس ” المجلس الأعلى للحسابات أن كثيرا التي أعطى انطلاقتها ملك البلاد لم يتم إنجازها. ويعتبر هذا الكلام ذا خطورة كبيرة بالنسبة لمؤسسات الدولة. يعرف الجميع أنه لا يمكن أن تتم برمجة المشاريع التي يدشن انطلاقتها رئيس الدولة دون اكتمال شروط تنزيلها. وتكمن هذه الأخيرة في تركيبة مالية محددة، وفي ضمان وعاء عقاري نظيف، وفي وجود دراسات تنفيذية مفصلة، وخصوصا في وجود وحدة تنفيذ ذات قدرات تدبيرية بمهنية عالية. سيظل ما صرحت به ” رئيس ” المجلس الأعلى للحسابات بمثابة قنبلة منهجية إتجاه السياسة التدبيرية. ولا يمكن أن نهضم آثار هذا النقص دون ربطه بضعف كل آليات الرقابة الترابية والمركزية التي تكثف حضورها قبل وأثناء التدشين الملكي لانطلاق المشاريع التنموية.
و تابع المهتمون ذلك ” المأتم ” الذي رافق خروج عزيز اخنوش من مضمار سياسي لم يكن ليدخله في الأصل. لم يفهم الكثير من المغاربة سبب دموع رجال ونساء التجمع الوطني للأحرار. كم من دموع اذرفت منذ سنوات جراء حرمان من ولوج إلى خدمة صحية، أو بسبب أسعار حارقة، أو بسبب عزلة أجزاء كثيرة من العالم القروي وحرمانها من خدمات الماء والكهرباء والطرق والتعليم. ولا يمكن أن لا يضع المغرب كأولوية كبرى الإهتمام بالعالم القروي. لن ينجح أي برنامج حكومي لا يكون مرتكزه ومركزه العالم القروي. يجب على كل مسؤول حزبي أو إداري أن يجول في هذا العالم الذي يبتعد عن بعض المدن الكبرى بأكثر من قرن من الزمن.
و بدل أن يبكي الزعماء عن قرار غياب زعيمهم الأكبر، كان الأجدر أن أن يتألموا ،لحد البكاء، تأثرا بما يكابده مواطنوهم في أعالي الجبال، وفي الصحاري، وفي محيط المدن الكبرى، بدل أن يعبروا عن يأس مصطنع. أغلب هاته وهؤلاء لا يعرفون أن عزلة قرية قد تؤدي إلى منع أطفال من التمدرس، وامرأة حامل عن الوصول إلى مستشفى، ومريض عن الحصول على علاج، وعطشان من الوصول إلى مصدر للمياه. بعض البكاء النابع من معاناة أبلغ وأصدق من دموع تذرف ومذرفوها يعيشون في جنات في العاصمة بعيدا عن المواطن الذي لا يسمعه ذلك الذي يحتل مقاعد المجالس دون محاسبة.
أتفق كثيرا مع السيدة ” رئيس ” المجلس الأعلى للحسابات في تقييمها للأساليب التي تشوه منهجية القيام بمهام رقابية لوزارات أو مؤسسات عمومية. بدء العمل الرقابي لا يعني أن الأمر يتعلق ببرمجة ترتبط برغبة قبلية للوقوف على مدبرين ” فاسدين”. الرقابة على المال العام يجب أن تشمل كل الادارات والمؤسسات التي تدبر الشأن العام حتى ولو كان المسؤول المدبر ممن يقدسون مبادئ الحفاظ على المال العام. يجب أن نذكر بقدسية تلك العلاقة بين التصريح بالممتلكات وبضرورة تفعيل تحليلها في ارتباطها بالمحاسبة التي اولاها الدستور مكانا في مبادئه الكبرى مقابل المسؤولية.
و يجب توضيح تلك المسؤولية التي يتم تحميلها للمجلس الأعلى للحسابات. تشتغل هذه المؤسسة العليا للرقابة بوسائل قانونية وبشرية لا تتناسب مع مهامها الكبرى. تقوم كغيرها من المفتشيات العامة، وخصوصا المفتشية العامة للمالية، بنفس المهام، عدا ما يتعلق بالروابط بينها وبين السلطة القضائية. وسيظل الضعف الكبير الذي يواجه كل مؤسسات الرقابة هو إمكانياتها المهنية والعلمية لتقييم السياسات العمومية. يعلم أصحاب الاختصاص أن تقييم السياسات العمومية تحتاج إلى زمن التقييم، وخصوصا إلى ذوي الاختصاص القطاعي. قاضي الحسابات ومفتش المالية لا يمكنهما أن يضعا خلاصاتهما التقييمية في تقرير دون العمل مع ذوي الاختصاص .
وسيتساءل الكثيرون عن سبب تلك الدموع التي رافقت عزيز اخنوش في رحلة غيابه المبرمج عن قيادة سفينة كان مهندسها أحمد عصمان قبل خمسين سنة. لم يفهم هؤلاء تلك اللوحة الدرامية التي رافقت مراسيم توديع اخنوش. وسيظل السؤال الكبير هو “ما هو السبب ” في تراجع اخنوش عن قيادة حكومة المونديال. وسيظل السؤال الثاني هو ذلك الذي يتعلق بتغييب ما تبقى من القيادات التقليدية لهذا الحزب عن التقرير في مستقبل حزبهم، وفي خضوعهم لقادم إليهم من حزب الأصالة والمعاصرة.
لا يمكن أن نقرأ هذا الواقع السياسي دون أن نسمع ردات فعل أحزاب مغربية أصيلة من الناحية التاريخية. هناك صمت غريب وهناك صمت رهيب. يقال أن اخنوش ليس رجل سياسة، وأنه أهتم كثيرا بأعماله، بالموازاة مع مسؤوليته السياسية ،دون أن يفرط في مصالحه. وسيظل المعلوم في القول بأن اخنوش هو أول رئيس حكومة كان أغنى ممن تحملوا وزر تدبير الشأن العام على رأس الحكومة. تحرك الجيش المغربي، وقوات الدرك الملكي، والقوات المساعدة وجمعيات المجتمع المدني، وانشغل جل الأحزاب ببيتهم الداخلي الصغير . وهذا مهم جدا.
دموع وسياسة ومشاريع دون تنفيذ.. وفيضانات







