مع دخول شهر رمضان الجاري يومه الرابع، وجد عدد واسع من الأسر المغربية نفسها أمام مفارقة غير مسبوقة في أسواق الخضر، بعدما تحوّلت مكوّنات بسيطة ومرتبطة يومياً بمائدة الإفطار، وعلى رأسها الكرافس والمعدنوس والقزبور والنعناع، إلى مواد مرتفعة الثمن بشكل لافت، في وقت تُسجَّل فيه وفرة نسبية في العرض على مستوى أسواق الجملة.
في جولة بأسواق كل من الرباط سلا وبوقنادل، عاين موقع “نيشان” استمرار الأسعار في مستويات قياسية مقارنة بما اعتاد عليه المستهلك المغربي في مثل هذه الفترة من كل سنة، حيث بلغ ثمن ربطة القزبور أو المعدنوس في عدد من الأسواق الشعبية ما بين ستة وثمانية دراهم، فيما استقر ثمن ربطة النعناع في حدود ستة دراهم، بينما أصبح الكرافس، أحد المكونات الأساسية للحريرة، من أكثر “الورقيات” طلباً وأعلى ثمناً، بعدما تجاوز في بعض النقاط سعره المعتاد بأكثر من الضعف ليستقر عند 10 دراهم.
هذا الارتفاع طال أيضاً خضرا مرافقة للطلب الرمضاني، من قبيل البصل الذي لامس 12 درهما للكيلوغرام، والطماطم التي تراوحت في حدود سبعة دراهم، والبطاطس في حدود ثمانية دراهم، مقابل أحد عشر درهماً للكورجيت، وهي مستويات يعتبرها مهنيون غير منسجمة مع وضعية العرض في أسواق الجملة.
عدد من تجار التقسيط في مدينة سلا يعزون هذه القفزة إلى اضطرابات في التزويد خلال الأيام الأخيرة، خصوصاً بالنسبة للأعشاب العطرية والورقيات، المرتبطة أساساً بالمناطق الفلاحية المحيطة بمدينة القصر الكبير والعرائش، غير أن مهنيين في سوق الجملة يؤكدون، في المقابل، أن الصورة أكثر تعقيداً، وأن الغلاء الذي يواجهه المستهلك في أسواق الأحياء لا يعكس دائماً واقع المعاملات داخل أسواق الجملة.
وفي هذا السياق، أوضح أحد تجار الجملة أن الكميات الوافدة من الورقيات والخضر ما تزال مهمة، وأن العرض في عدد من الفترات يفوق الطلب، مبرزاً أن الخلل الأساسي يكمن في مسار التوزيع وفي هوامش الربح التي تُضاف عند الانتقال من البيع بالجملة إلى البيع بالتقسيط، خاصة خلال الأيام الأولى من رمضان، حيث يرتفع الطلب بشكل آلي وتُستغل حساسية السوق لرفع الأسعار.
في المقابل، يربط فاعلون آخرون جزءاً من هذا الوضع بالفيضانات والاضطرابات الجوية التي شهدها خلال الأسابيع الماضية حوض اللوكوس، وهو ما تسبّب في تضرر مساحات من الزراعات السقوية الخاصة بالورقيات والأعشاب الحساسة، وأدى إلى إتلاف جزء من المحصول الجاهز وصعوبة جني كميات أخرى، الأمر الذي انعكس على وتيرة التزويد اليومي لأسواق الجملة، خاصة في الشمال.
غير أن مهنيين يشددون، في المقابل، على أن السوق الوطنية لا تعتمد على مصدر واحد، إذ يتم تعزيز التموين من مناطق فلاحية أخرى، من بينها الشاوية وسوس والحوز، وهو ما يسمح، نظرياً، بتغطية جزء مهم من الخصاص، ويُضعف فرضية أن يكون الارتفاع الحالي ناتجاً حصرياً عن ندرة حقيقية في الإنتاج.
في الأسواق الشعبية، يعبر مستهلكون عن استغرابهم من وصول “ربطة” المعدنوس أو القزبور إلى أسعار تقترب من ثمن بعض الخضر الأساسية، معتبرين أن ما يجري لا ينسجم مع الخطاب الرسمي المتكرر حول وفرة الإنتاج واستقرار التموين، ولا مع ما يُتداول داخل أسواق الجملة من أثمنة أقل بكثير مما يُعرض به المنتوج على المواطن.
وترى المصادر أن أزمة “ربطة الأعشاب” خلال رمضان الجاري أعادت إلى الواجهة إشكالية غياب آليات فعالة لضبط سلاسل التوزيع، وضعف المراقبة على مستوى البيع بالتقسيط، في ظل استمرار تعدد الوسطاء وغياب شفافية حقيقية في تشكّل الأسعار من الضيعة إلى طاولة المستهلك.
وبين رواية الاضطرابات المناخية التي ضربت بعض مناطق الإنتاج، ورواية الفوضى في مسالك التسويق، يبقى المؤكد أن مائدة الإفطار لدى فئات واسعة من المغاربة استقبلت رمضان هذه السنة بأسعار غير مسبوقة لمكونات كانت، إلى وقت قريب، تُصنف ضمن الأرخص والأكثر حضوراً في الأسواق، وعلى رأسها الكرافس، الذي تحوّل إلى رمز صغير لغلاء كبير يطال اليوم تفاصيل الحياة اليومية.







