في أواخر سنة 1963، ستقوم السلطات الأمنية بحملة اعتقالات واسعة شملت عناصر تنشط في خلايا مسلحة اتهمت بمحاولة الاعتداء على أمن الدولة وإسقاط النظام بدعم من جهات خارجية.
الاعتقالات التي امتدت إلى غاية سنة 1970، وهمت 162 شخصًا.
أشرف أوفقير، وزير الداخلية، بعد أن تمت ترقيته سنة 1954 إلى رتبة جنرال مع تعيينه وزيرًا للداخلية إضافة إلى منصبه كمدير عام للأمن الوطني، على استنطاقهم بدار المقري، في حين بقي 31 شخصًا في حالة فرار، معظمهم كان خارج المغرب.
جلسة الاستماع للفرقاني ضمن محاكمة 1971 تحولت إلى مناظرة بينه وبين ممثل النيابة العامة حول مفهوم الاشتراكية، التي قال هذا الأخير إنها تتعارض مع الملكية، غير أن الفرقاني استدل بالنموذج الإنجليزي بعد أن قامت بريطانيا بتأميم العديد من المرافق، وأشار إلى أن الاشتراكية تعني تحقيق العدالة الاجتماعية.
الأسئلة التي طُرحت على الفرقاني كانت تتعلق بالأدوار التي يلعبها كل من البصري واليوسفي ومشاركته في اجتماع بوخارست للأحزاب الشيوعية رفقة اليازغي، ومكان تواجد البصري أثناء انعقاد الاجتماع، وهي الأسئلة التي قدم الفرقاني أجوبة دقيقة عنها تنفي ما ورد في المحاضر.
الفرقاني، ولدى مثوله أمام القاضي، قال إن التهم الموجهة إليه زائفة، وعبارة عن مؤامرة جديدة على غرار ما حدث سنة 1963، وشرع في سرد ظروف اعتقاله الذي تم في 17 ديسمبر 1969، حيث تم اقتياده إلى منزل مجهول، في إشارة إلى “الدار المجهولة” التي تحدث عنها عدد من المتهمين، وهناك تم تعذيبه قبل نقله من جديد إلى الرباط ليبقى في الحراسة النظرية إلى غاية 2 مارس 1970. وأشار إلى أن جلسات التعذيب كانت يرافقها سؤال تكرر أكثر من مرة، وهو: “قل ما تعرفه عن الثورة”، وطيلة فترة اعتقاله لم تكن عائلته تعلم شيئًا عنه، ليشرع الأهل في تقديم التعازي بالنظر إلى العرف السائد في تلك الفترة، والذي يقضي بأن اختفاء الناشطين السياسيين لمدة طويلة يعني تصفيتهم وإخفاء جثثهم.
الفرقاني صرح للقاضي أن تعذيبه تم على يد أربع فرق، من أجل إجباره على سرد رواية الأمن التي تهدف إلى توريط المتهمين في هذه القضية، الأمر الذي جعله يعيش ظروفًا مشابهة لتلك التي كانت في المعتقلات النازية، حيث كانت تتعالى صرخات المعتقلين من كل جانب، مما جعله يفكر في الانتحار، غير أن إيمانه منعه من ذلك. رغم أنه تعرض لـ65 عملية تعذيب، فقد خلال 17 منها وعيه، لدرجة جعلته غير قادر على الوقوف لمدة شهر ونصف، بعد أن بقيت يده مكبلة طيلة سبعة أشهر، فيما تم تعصيب عينه لأربعة أشهر.
وانتقل الفرقاني بعد ذلك إلى توجيه رسائل سياسية، وقال أمام القاضي إن هناك من لا يريدون أن ينتشر الوعي السياسي بين المغاربة، وأنه يقف الآن أمام المحكمة بسبب أفكاره، وأن الصراع السياسي الذي يعرفه المغرب مرده إلى صعود طبقة معينة من أصحاب المصالح. ليتدخل ممثل النيابة العامة ويأمره بسرد الوقائع، غير أن الدفاع احتج وطلب من القاضي منح المتهم فرصة الحديث، ليواصل الفرقاني كلامه مشددًا على أن أصحاب المصالح الكبرى بالمغرب هم من وراء هذا الصراع، بعد أن انتشرت الرشوة وتهريب المال العام للخارج، وبقدر ما انتشرت هذه الظواهر توسعت محاربة أصحابها لذوي الأفكار الوطنية والسياسية، وهو ما يفسر خلق هذه التهم للقضاء على المعتقلين ليخلو لهم الجو.
ليشرع الفرقاني بعد ذلك في سرد ما اعتبره مخالفات قانونية كافية لإبطال التهم الموجهة إليه، ومنها ظروف الاعتقال والتفتيش، وإجباره على توقيع المحاضر قبل تسليمه لقاضي التحقيق العسكري، ليقاطعه القاضي من جديد وينبهه بأنه يقوم بمرافعة قانونية تبقى من اختصاص الدفاع، ويشرع في سؤاله عن علاقته باليازغي وسبب سفره إلى رومانيا، ورحلاته إلى طنجة وإسبانيا وفرنسا، قبل أن يحين الدور على علاقته بالمناضي، الذي بدأت تطرح أكثر من علامة استفهام حول الدور الحقيقي الذي يلعبه في هذا الملف.
الفرقاني أكد أن علاقته بالمناضي كانت حزبية، وأنه لاحظ إكثاره في المجيء إلى مراكش سنة 1969، وكان كلما حضر إلى هناك يقوله له إن الظروف صارت قبيحة جدًا، ويتعين القيام بعمل جدي في محاولة لاستدراجه، وكان الفرقاني يجيبه بأن الظروف غير مواتية.
وصرح للقاضي بالشكوك التي كانت تساوره إزاء المناضي وقال: “بقدر ما كان المناضي يحاول استدراجي نحو نواياه، كنت أحاول إفهامه أني مسؤول سياسي فقط”، وهي الشكوك التي زادت لدى الفرقاني بناءً على شهادات قدمها له عدد من الاتحاديين بامزميز، واعتبر أن تصريحات المناضي أمام المحكمة أكدت ذلك، واتضح في النهاية أنه أداة للإلصاق التهمة به.
ممثل النيابة العامة استهل مرافعته بالتأكيد على توفر المحاكمة على جميع الشروط والضمانات القانونية وتوفر المغرب على قضاء مستقل، وهو ما جعل قاضي التحقيق حسب قوله يقرر عدم متابعة 23 شخصًا، في حين قررت غرفة الاتهام تغيير الوصف لـ14 متهما في رد واضح على الدفاع، قبل أن يهاجم بشدة محمد البصري الذي اتهمه بالسعي للإطاحة بالنظام الملكي من خلال إنشاء منظمة لها خلايا بعدد من المدن، وإرسال عدد من العناصر لتلقي التداريب بالخارج، ومفاوضة بعض المسؤولين للحصول على الأسلحة، واستعرض كذلك عددا من المراحل التي مر منها الإعداد للمس بأمن الدولة بتنسيق مع جهات خارجية إلى حين تقدم المناضي بإخبارية تؤكد وجود هذا التنظيم.
ومع انطلاق الجلسة المخصصة للاستماع للشهود، تأكد لهيئة الدفاع عدم حضور الحمياني الذي أشرف على الاستنطاقات بدعوى أنه مكلف بمهمة، ليلتمس الدفاع تأخير الجلسة وتمتيع المتهمين بالسراح المؤقت إلى غاية انعقاد الجلسة الموالية، وهو ما رفضته المحكمة التي قررت الاستماع للشهود الحاضرين. وكانت البداية بمقدم بالدار البيضاء أصيب بجروح بعد إطلاق النار عليه، هذا الأخير أكد أمام رئيس المحكمة أنه سقط على وجهه أرضًا بعد إصابته بثلاث أعيرة نارية، ولم يشاهد ملامح منفذي العملية، كما تم الاستماع لصاحب مقهى وقع الحادث بالقرب منها، إضافة إلى شهود آخرين أدلوا بأقوال تناقضت مع تصريحاتهم الواردة في محضر قاضي التحقيق، غير أن الخطير في تصريحاتهم هو تأكيد بعض الشهود لواقعة الاعتداء عليهم من طرف الأمن.







