في ميناء طنجة المتوسط، لا يتوقف هدير المحركات. آلاف السيارات اللامعة، التي تفوح منها رائحة “الجديد”، تصطف يوميا في طوابير هندسية دقيقة في انتظار شحنها نحو أسواق أوروبا وإفريقيا. المشهد يبعث على الفخر الوطني بلا شك؛ فالمغرب تحول إلى “وحش صناعي” يتصدر القارة الإفريقية، ويُصدر سيارات تفوق قيمتها عائدات الفوسفاط التاريخية. لكن، على بعد كيلومترات قليلة من هذا الميناء، يقف “أحمد”، الموظف في القطاع العام، أمام واجهة إحدى وكالات بيع السيارات، يقلب في هاتفه حاسبة القروض، ليكتشف أن شراء سيارة اقتصادية “صُنعت في بلده” يتطلب منه اقتطاع نصف راتبه لعشر سنوات قادمة.
هنا تتجسد المفارقة الصارخة..كيف لبلد ينتج أكثر من 700 ألف سيارة سنويًا، ويطمح لبلوغ مليون سيارة، أن يظل مواطنوه عاجزين عن اقتناء هذه المركبات؟ وما الذي يختبئ خلف أرقام “الإدماج المحلي” التي تروج لها الخطابات الرسمية؟ وهل نحن حقا نصنع السيارات، أم أننا مجرد “ورشة تجميع” ضخمة تستنزف عرق اليد العاملة الرخيصة لصالح علامات تجارية أجنبية؟

لغز الأسعار: سيارة مغربية بـ “تسعيرة أوروبية”
عندما أعلنت المجموعات الكبرى (رونو وستيلانتيس) استقرارها في طنجة والقنيطرة، ساد اعتقاد شعبي بأن حلم “سيارة لكل أسرة” بات قريبًا. المنطق الاقتصادي البسيط يقول إن الإنتاج المحلي يلغي تكاليف الشحن الدولي والرسوم الجمركية، مما يجب أن ينعكس انخفاضا على السعر النهائي. لكن الواقع في صالات العرض المغربية يروي قصة أخرى.
السيارة التي تُجمع في القنيطرة أو طنجة، تُباع للمستهلك المغربي بأسعار تقارب، وأحيانا تتجاوز، سعرها في أسواق أوروبية كفرنسا أو إسبانيا، إذا ما قسنا ذلك بالقدرة الشرائية. لماذا؟
السر يكمن في “التركيبة الضريبية” وغياب التحفيزات المحلية. فالسيارات المنتجة في المناطق الحرة (Zones Franches) موجهة أساسا للتصدير وتستفيد من إعفاءات ضريبية ضخمة. لكن، بمجرد أن تقرر الشركة بيع تلك السيارة داخل السوق المغربية، يتم التعامل معها ضريبيا وكأنها “مستوردة”. تُفرض عليها الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 20%، ورسوم التسجيل، وضرائب أخرى، ناهيك عن هوامش الربح المريحة التي يفرضها الموزعون المحليون في ظل غياب منافسة حقيقية تكسر الأسعار.
النتيجة؟ المواطن المغربي يمول، من خلال ضرائبه التي بنت البنية التحتية للمناطق الحرة، مصانع تنتج سيارات لا يستطيع شراءها.

“الإدماج المحلي”.. حقيقة صناعية أم تلاعب بالمصطلحات؟
تفتخر وزارة التجارة والصناعة بأن نسبة “الإدماج المحلي” (Taux d’intégration locale) تجاوزت 65%، وتطمح لبلوغ 80%. الرقم يبدو مبهراً، ويوحي بأن ثلثي السيارة يُصنع بأيادٍ ومواد مغربية. لكن الغوص في تفاصيل هذا الرقم يكشف حقائق مغايرة.
مصادر مهنية أوضحت لـ “نيشان” أن هذه النسبة تُحسب على أساس “القيمة”، وليس “التكنولوجيا المعقدة”. ما يصنعه المغرب بكفاءة عالية اليوم هو “الكابلات” (الأسلاك الكهربائية)، المقاعد، الأجزاء البلاستيكية، الزجاج، وبعض قطع الغيار المعدنية. وهي صناعات تتطلب كثافة عمالية عالية (Main-d’œuvre intensive).
في المقابل، “القلب النابض” للسيارة وعقلها المدبر؛ أي المحركات الدقيقة، نواقل الحركة (Boîtes de vitesses)، والرقائق الإلكترونية المعقدة (Semi-conducteurs)، لا تزال تُستورد من الخارج. بعبارة أدق : نحن نصنع “هيكل” السيارة ومحيطها، لكننا نستورد “روحها”. هذا يجعل القيمة المضافة التكنولوجية الحقيقية تذهب إلى الشركات الأم في أوروبا وآسيا، بينما يكتفي الاقتصاد الوطني بعائدات التجميع وبعض الصناعات المكملة.
نقل التكنولوجيا أم استغلال لليد العاملة الرخيصة؟
الدافع الرئيسي الذي جعل عمالقة السيارات يفضلون المغرب على دول أوروبا الشرقية ليس سواد عيون المغاربة، بل معادلة اقتصادية باردة، في مقدمتها استقرار أمني، بنية تحتية ممتازة (ميناء طنجة المتوسط، القطار الفائق السرعة)، والأهم من ذلك كله “يد عاملة شابة، مؤهلة، ورخيصة جداً”.
تكلفة العامل المغربي في قطاع السيارات لا تتجاوز في المتوسط 300 إلى 400 أورو شهريا، مقارنة بـ 1500 يورو في أوروبا الغربية، أو 800 يورو في أوروبا الشرقية. هذا الفارق الشاسع في تكلفة الإنتاج هو ما يضخم أرباح الشركات الأجنبية.
السؤال الجوهري هنا: هل رافق هذا الاستثمار الأجنبي نقل حقيقي للتكنولوجيا (Transfert de technologie)؟

الواقع أن مراكز البحث والتطوير (R&D) التي أُنشئت في المغرب، رغم أهميتها، لا تزال تركز على تكييف التصاميم واختبارها، وليس ابتكار براءات اختراع مغربية خالصة. المهندس المغربي يثبت كفاءة عالمية في تنفيذ وتطوير خطوط الإنتاج، لكنه يظل مقيدا باستراتيجيات الشركات الأم.
ظهور مبادرات مثل سيارة “نيو” (Neo) المغربية، أو نموذج “نامكس” (NamX) الهيدروجيني، شكلت ومضات أمل في البداية، إلا أن الحقيقة سرعان ما تكشفت، حيث تبين أن “نيو” ليست سوى نسخة مطابقة تقريبًا لسيارة صينية تُدعى TodaySunshine M1-EV، التي لا يتجاوز سعرها 60 ألف درهم، في حين أعلنت الشركة المغربية عن تسويق سيارتها بسعر 99 ألف درهم.
وقد اعترفت الشركة نفسها لاحقًا بأنها تستورد بعض قطع الغيار والتصميم من الصين، مع تأكيدها على هدف رفع نسبة المكون المحلي إلى 55% خلال العام المقبل.

متى نقطف ثمار “الأسطورة”؟
لا أحد يمكنه إنكار النجاح الماكرو-اقتصادي لقطاع السيارات في المغرب، حيث خلق عشرات الآلاف من مناصب الشغل، وأنقذ الميزان التجاري من انهيار محقق، ووضع المملكة على خريطة الصناعة العالمية. لكن هذا النجاح، وفقا للمصادر، سيبقى “أعرج” ما لم ينعكس على المعيش اليومي للمواطن.
وتحذر المصادر ذاتها من أن الارتهان لنموذج “منصة التصدير” حصراً ينطوي على مخاطر استراتيجية؛ فماذا لو قررت أوروبا غداً فرض رسوم كربونية صارمة، أو اختارت الشركات العالمية نقل مصانعها نحو وجهات أقل تكلفة؟

إن الانتقال من معادلة “صُنع في المغرب” (بأيدٍ مغربية ولحساب الأجانب) إلى رؤية “صُنع من طرف المغاربة وللمغاربة” يستوجب قرارات سياسية جريئة. يبدأ ذلك بمراجعة النظام الضريبي لخفض أسعار السيارات المجمعة محليا، وفرض نقل التكنولوجيا الدقيقة من الشركات العالمية، وصولاً إلى دعم علامات تجارية وطنية حقيقية. حينها فقط، لن يكتفي المواطن البسيط بمشاهدة قوافل السيارات وهي تُشحن نحو الميناء، بل سيتمكن أخيرًا من الجلوس خلف مقود إحداها.







