قبل أشهر قليلة من استحقاقات 23 شتنبر، لم يعد التنافس الانتخابي في المغرب يُقاس فقط بحجم الحضور في التجمعات الخطابية أو بقدرة المرشحين على إقناع الناخبين في اللقاءات المباشرة، بل بات يُدار، على نحو متزايد، من وراء الشاشات داخل دوائر مغلقة تُعرف في أوساط الفاعلين بـ”غرف العمليات الرقمية”. هناك، تُصاغ الرسائل وتُختبر، وتُضبط إيقاعات النشر، وتُدار حملات متكاملة هدفها توجيه المزاج العام أكثر من عكسه.
مصادر متقاطعة من داخل هيئات حزبية تحدثت لـ”نيشان“، شريطة عدم الكشف عن هويتها، مؤكدة أن ميزانيات التواصل الرقمي المرصودة للاستحقاقات المقبلة عرفت قفزة لافتة، حيث جرى تحويل جزء معتبر من الاعتمادات التي كانت تُخصص سابقاً للتأطير الميداني إلى التعاقد مع وكالات متخصصة في إدارة السمعة على الإنترنت. هذه الوكالات، التي تنشط بين الرباط والدار البيضاء وتمتد شبكاتها إلى الخارج، تقدم خدمات تتراوح بين تحسين صورة المرشحين ورفع نسب التفاعل المصطنع، وصولاً إلى إدارة حملات مضادة تستهدف الخصوم عبر نشر محتوى تشكيكي أو تسليط الضوء على زلات قديمة في سياقات جديدة.
وبحسب معطيات حصل عليها الموقع من مهنيين في قطاع الإشهار الرقمي، فإن كلفة الحملة الواحدة على منصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” يمكن أن تتجاوز، في بعض الحالات، مليوني درهم خلال شهرين فقط، إذا ما شملت تشغيل ما يُعرف بـ”مزارع الحسابات” والتعاقد مع مؤثرين ذوي متابعة واسعة. هذه “المزارع”، التي تُدار أحياناً من خارج المغرب، تعتمد على آلاف الحسابات شبه الآلية أو المُدارة يدوياً، تُكلف بالتعليق والتفاعل وإعادة النشر في توقيت متزامن، بما يمنح الانطباع بوجود موجة دعم عفوية يصعب على المستخدم العادي التمييز بين حقيقتها وطبيعتها المصطنعة.
ويضع هذا التحول آليات المراقبة التقليدية أمام حدودها. فالتقارير الدورية الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات تظل، رغم دقتها، مقيدة بطبيعة التصريحات المحاسباتية التي تقدمها الأحزاب، حيث تُدرج النفقات الرقمية غالباً ضمن بنود عامة مثل “التواصل” أو “الدراسات”، دون تفصيل يسمح بتتبع مساراتها الفعلية.
وفي هذا السياق، أقر مصدر مطلع على إعداد هذه التقارير بأن تتبع الإنفاق الإعلاني على المنصات الدولية يواجه صعوبات تقنية وقانونية، بالنظر إلى أن جزءاً من الأداء يتم عبر وسطاء أو حسابات خارجية.
ويرى الباحث في السياسات الرقمية، أيوب بناصر، أن ما يجري يتجاوز مجرد تطوير أدوات الدعاية، ليصل إلى إعادة تشكيل الفضاء العمومي نفسه.
وأضاف، في اتصال هاتفي مع “نيشان“، أن “المشكل لا يكمن في استعمال الوسائط الرقمية في حد ذاته، بل في غياب الشفافية حول من يمول ماذا، وكيف تُستهدف فئات بعينها برسائل مصممة وفق معطيات دقيقة عن سلوكها واهتماماتها”. ويضيف أن الخطر الأكبر يتمثل في خلق “إجماع وهمي” قد يؤثر على اختيارات الناخبين المترددين، خاصة في ظل ضعف التربية الإعلامية الرقمية لدى شريحة واسعة من المستخدمين.
وتتجلى إحدى أبرز واجهات هذه الاستراتيجية في اللجوء المكثف إلى مؤثرين يقدمون محتوى يبدو في ظاهره عادياً أو ترفيهياً، لكنه يحمل رسائل سياسية مبطنة. مهنيون في المجال يؤكدون أن تسعيرة المنشور الواحد قد تتراوح بين 20 ألفاً و100 ألف درهم، بحسب حجم المتابعة ونسبة التفاعل، مع اشتراطات دقيقة تتعلق بتوقيت النشر وطبيعة الخطاب وتفادي الإشارة المباشرة إلى الطابع الإعلاني للمحتوى. هذا النمط من التواصل يطرح إشكالات قانونية، لكونه يقع في منطقة رمادية بين الإشهار والتعبير الشخصي.
أمام هذا الواقع، ترى المصادر أن الأطر التنظيمية الحالية تبدو متأخرة نسبياً عن مواكبة التحولات المتسارعة. فصلاحيات الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري تظل مركزة أساساً على المضامين السمعية البصرية التقليدية، بينما تتحرك الحملات الرقمية في فضاء عابر للحدود يصعب ضبطه بالآليات نفسها.
ورغم هذا الزخم التقني، يحذر فاعلون سياسيون من المبالغة في تقدير أثر “القوة الرقمية” بمعزل عن الواقع الميداني. أحد القياديين الحزبيين، الذي خاض تجربة انتخابية سابقة، يؤكد أن “الترند لا يترجم دائماً إلى أصوات في صناديق الاقتراع”، مبرزاً أن شبكات القرب والاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية ما تزال تلعب دوراً حاسماً في توجيه السلوك الانتخابي، خاصة في المناطق القروية وشبه الحضرية.
غير أن ما لا يختلف حوله المصادر هو أن المعركة الانتخابية المقبلة ستُخاض على جبهتين متوازيتين: جبهة ميدانية تقليدية، وأخرى رقمية أكثر تعقيداً وأقل شفافية. وبينهما، يقف الناخب أمام سيل من الرسائل المتدفقة، بعضها صادق وكثير منها مُصمم بعناية، في مشهد يعكس تحوّل السياسة من فضاء النقاش المفتوح إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح مع الخوارزميات.







