بعيداً عن أضواء الكاميرات، وفي غرف مغلقة تخضع لحراسة مشددة، تجري منذ أسابيع فصول مفاوضات دبلوماسية وُصفت بـ”السرية للغاية” حول ملف الصحراء المغربية. وحسب ما كشفته مجلة “جون أفريك في تقرير حصري نشرته بتاريخ 17 مارس 2026، فإن الولايات المتحدة تولت دور “المايسترو” في هندسة هذه اللقاءات التي تجمع ممثلين عن الرباط، والجزائر، ونواكشوط، والبوليساريو.
مفاوضات “الغرف الموصدة”
وفقاً للمصدر ذاته، فإن هذه المحادثات التي تدور رحاها في صالونات دبلوماسية بين مدريد وواشنطن منذ يناير الماضي، تتميز بتكتم غير مسبوق؛ حيث لا توجد صور رسمية، ولا بلاغات مشتركة، ولا حتى مصافحات أمام الإعلام. وتعتمد هذه المفاوضات تنسيقاً ضيقاً جداً، يقتصر فيه تمويل كل وفد على ثلاثة أعضاء فقط، وهو ما يعكس حساسية اللحظة الراهنة.
واشنطن تقود الدفة برؤية “دبلوماسية وأمنية”
تشير “جون أفريك” إلى أن الولايات المتحدة هي المحرك الفعلي لهذه العملية، حيث يقود الاجتماعات مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس دونالد ترمب للشؤون الإفريقية والعربية، إلى جانب مايكل والتز، السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة.
اللافت في هذا “الكاستينغ” هو الحضور الاستخباراتي القوي؛ إذ يشارك مسؤولون من “مكتب التحقيقات الفيدرالي” (FBI) و”وكالة الاستخبارات المركزية” (CIA) في بعض الجلسات، ما يعني أن واشنطن تتعامل مع الملف كقضية أمنية واستراتيجية مرتبطة بمنطقة الساحل، وليس فقط كنزاع دبلوماسي.
وجوه الظل.. وزراء ومدراء استخبارات
كشف التقرير عن الأسماء التي تشكل نواة هذه المفاوضات، فالنسبة إلى المغرب
يقود الوفد وزير الخارجية ناصر بوريطة، يرافقه عمر هلال سفير المملكة لدى الأمم المتحدة، بالإضافة إلى حضور وازن لمدير الإدارة العامة للدراسات والمستندات (DGED)، ياسين المنصوري، مما يؤكد تركيز الرباط على الأبعاد الأمنية والميدانية لمقترح الحكم الذاتي.
أما الجزائر فانتدبت وزير خارجيتها أحمد عطاف، مدعوماً بـعمار بن جامع (سفير الجزائر لدى الأمم المتحدة)، وبحضور مرجح لـلونيس بن جمعة، مدير الأمن الخارجي الجزائري (DGDSE).
وبخصوص البوليساريو فيمثلها محمد يسلم بيسات، ومولود سعيد، وسيدي محمد عمار المنسق مع بعثة “المينورسو”.
أما موريتانيا فتشارك بوفد يقوده وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوق، وسفيرتها في واشنطن سيسيه بنت الشيخ ولد بويـده.
تراجع دور الأمم المتحدة؟
بينما يحضر المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، بصفة وسيط، تشير “جون أفريك” إلى أن المنظمة الدولية تبدو وكأنها تراجعت إلى الخلفية لصالح عملية تقودها واشنطن بشكل مباشر، خاصة بعد قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر الماضي، والذي كرس المبادرة المغربية للحكم الذاتي كقاعدة أساسية للعملية السياسية.
وتؤكد الأجواء التي تحيط بهذه الاجتماعات أننا بصدد مرحلة حاسمة؛ فبين مدريد وواشنطن، تُطبخ التفاصيل بعيداً عن الإعلام، في صيغة أقرب إلى “المشاورات الأمنية السيادية” منها إلى جولات التفاوض التقليدية، مما يوحي برغبة أمريكية قوية في حسم الملف نهائياً تحت مظلة مقترح الحكم الذاتي.







