تواجه الأحزاب المغربية في الطريق إلى انتخابات 23 شتنبر 2026 معضلة بنيوية تكرس منطق “الاستمرارية في الرداءة”، حيث تكشف كواليس التزكيات عن جنوح متزايد نحو “الأعيان” وأصحاب النفوذ المالي على حساب النخب المثقفة والكفاءات الحاملة للمشاريع.
ورغم الشعارات البراقة حول “تخليق الحياة السياسية” وضخ دماء جديدة، إلا أن لغة الأرقام الصماء تبين أن “الشكارة” تظل هي المحدد الرئيس لدخول غمار السباق، في ظل كلفة انتخابية باهظة للدائرة الواحدة قد تتجاوز سقف 200 مليون سنتيم كـ “عتبة دخول” غير رسمية، وهو رقم يجعل المثقف أو الأكاديمي خارج دائرة المنافسة منذ البداية.
وفي اتصال لـ “نيشان” مع ” سهيلة ايت ناصر، الباحثة في العلوم السياسية بجامعة إبن طفيل بالقنيطرة، أكدت أن الأحزاب اليوم لم تعد “مدارس للتنشئة” بل تحولت إلى “وكالات وساطة” تبحث عن مرشحين بتمويل ذاتي وقاعدة انتخابية مضمونة قبلياً عبر شبكة “المنافع المتبادلة”، مما خلق قطيعة بين الحزب وبين الأطر العليا التي باتت تفضل “الاستوزار التكنوقراطي” المباشر بدلاً من “المرمطة” في أزقة الدوائر الانتخابية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن نسبة رضا المغاربة عن أداء الأحزاب السياسية لم تتجاوز 20% في استطلاعات الرأي الأخيرة مطلع 2026، مع الإشارة إلى أن غياب “المرشح المقنع” يمثل الدافع الرئيس للعزوف لدى 17% من المستجوبين.
هذا العطب في “دوران النخب” يعزوه مراقبون إلى أن الأحزاب انتقلت من مرحلة “التأطير الإيديولوجي” إلى مرحلة “الفعالية الانتخابية”، حيث يفضل الأمناء العامون “كائنًا انتخابيًا” يضمن المقعد بـ 15 ألف صوت ولو كان مستواه التعليمي متواضعًا، على دكتور في الاقتصاد قد لا يتجاوز عتبة الألف صوت.
وبالتواصل مع مصدر من داخل اللجنة المركزية لأحد أحزاب الأغلبية، أقرّ لـ “نيشان” بمرارة أن الحزب يجد نفسه مرغماً على تزكية “مول الشكارة” لضمان التمويل اللوجستي للحملة في الدائرة، مؤكداً أن “النخبة المثقفة” غالباً ما تفتقر للقدرة على التعبئة الميدانية ومواجهة “سماسرة الانتخابات” الذين يسيطرون على الهوامش الحضرية والقروية.
علاوة على ذلك، يظهر تقرير المجلس الأعلى للحسابات بخصوص تمويل الحملات السابقة أن 84% من المصاريف توجه للدعاية والطبع والنقل، وهي تكاليف يتهرب الحزب من تحملها مركزياً، ملقياً بالعبء على عاتق المترشح.
هذا “النظام الاقتصادي” للانتخابات المغربية خلق نوعاً من “الأرستقراطية الانتخابية” التي تحتكر التزكيات جيلًا بعد جيل، مما دفع 41% من المستجوبين في استطلاع رأي حديث للتعبير عن يأسهم من رؤية وجوه جديدة قادرة على الوفاء بالوعود.
في خضم هذا الواقع، ترى المصادر أن محاولة الدولة تشجيع الشباب والمثقفين عبر دعم 75% من مصاريف حملاتهم يظل إجراءً تقنيا غير كافٍ ما لم تتغير “العقيدة التنظيمية” للأحزاب التي باتت تخاف من “المثقف المشاكس” وتفضل “العين المطيع”، مما يجعل البرلمان القادم مهدداً بإنتاج نفس “البروفايلات” التي تكتفي برفع الأيدي أو الصمت داخل اللجان، مكرسةً بوار السياسة في أبهى صورها.







