دخلت رئاسة النيابة العامة على خط الدينامية الاقتصادية التي تشهدها المملكة، واضعة حماية المقاولة الوطنية وتحصين مناخ الأعمال في صلب أولوياتها القضائية، حيث انطلقت يومه الخميس بمقر رئاسة النيابة العامة بالرباط، أشغال لقاء دراسي وطني رفيع المستوى يمتد على مدار يومين، يجمع كبار المسؤولين القضائيين بالنيابات العامة لدى المحاكم التجارية، لمناقشة الإشكالات العملية المرتبطة بتطبيق مساطر صعوبات المقاولة في ضوء القانون رقم 73.17، وهو اللقاء الذي يأتي في سياق يطبعه الرهان على القضاء كفاعل محوري في تكريس الأمن القانوني وجذب الاستثمارات.
وفي كلمة توجيهية ألقتها نيابة عن رئيس النيابة العامة، أكدت أمينة أفروخي، رئيسة قطب النيابة العامة المتخصصة، أن المقاولة لم تعد مجرد وحدة إنتاجية معزولة، بل غدت ركيزة استراتيجية في النسيج الاقتصادي الوطني، وهو ما يفرض على القضاء التجاري والنيابة العامة تحدي الموازنة بين إنقاذ الوحدات الاقتصادية المتعثرة وبين حماية حقوق الدائنين وضمان المنافسة الشريفة، مشددة على أن استقرار المقاولة وتطوير قدراتها التنافسية يعد صمام أمان لتحقيق النمو الاجتماعي والحفاظ على مناصب الشغل، انسجاماً مع التوجيهات الملكية الداعية إلى جعل المنظومة القانونية رافعة حقيقية للتنمية.
ويتجاوز هذا اللقاء البعد الأكاديمي الصرف ليمتد إلى مقاربة الدور “الحمائي” الذي تضطلع به النيابة العامة في حماية النظام العام الاقتصادي، حيث لم يعد دورها مقتصرًا على الجوانب الزجرية التقليدية، بل امتد ليشمل التدخل الاستباقي عبر تقديم طلبات فتح مساطر التسوية أو التصفية القضائية، وملاحقة المسيرين في حالة التقصير، وضمان الشفافية في التدبير المقاولاتي. وأوضحت الورقة التأطيرية للندوة، المنظمة بتنسيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن الهدف هو بلورة “هندسة قضائية” قادرة على تفعيل مقتضيات الكتاب الخامس من مدونة التجارة بنجاعة، وتجاوز العقبات التي تعيق فعالية القضاء التجاري في مواجهة الأزمات المالية للمقاولات.
إلى ذلك، شكل اللقاء فرصة لاستعراض أحدث اجتهادات محكمة النقض في المادة التجارية، مع التركيز على دور القاضي المنتدب وآليات التنسيق المؤسساتي لضمان الحكامة في التسيير القضائي، حيث يسعى المشاركون إلى الخروج بتوصيات عملية تنهي حالة “البطء” أو “التردد” في تفعيل مساطر الإنقاذ، بما يضمن استمرارية النشاط الاقتصادي في ظل ظرفية دولية ووطنية متقلبة، ويحول القضاء التجاري إلى شريك فعلي في بناء النموذج التنموي الجديد عبر تكريس الثقة لدى الفاعلين الاقتصاديين المحليين والأجانب.







