مرة أخرى، تعود الحكومة إلى ملف تمويل الحملات الانتخابية، عبر المصادقة على مشروعي مرسومين يهمّان مساهمة الدولة في دعم الأحزاب خلال الاستحقاقات المقبلة. إجراء يُقدَّم، كالعادة، في قالب تقني أنيق: دعم عمومي، شفافية، تكافؤ فرص، وتقوية الحياة السياسية.
كل شيء يبدو مرتباً على الورق… كأننا أمام نموذج ديمقراطي جاهز للاستعمال الفوري.
لكن ما إن نرفع الغطاء قليلاً حتى يظهر السؤال الحقيقي، ذاك الذي لا تحبه البلاغات الرسمية: هل المشكلة فعلاً في نقص تمويل الأحزاب؟ أم في وجود “سوق انتخابي” كامل، يعمل بمنطق موازٍ لا تعترف به النصوص لكنه يحكم النتائج؟
دعم عمومي… في مباراة غير متكافئة
فكرة تمويل الأحزاب من المال العام ليست خطيئة سياسية، بل هي في أصلها آلية عقلانية لتقليص الفوارق بين الفاعلين. المشكلة ليست في الفكرة، بل في افتراضها الضمني الخطير: أن الجميع يلعب بالقواعد نفسها.
في الواقع، الانتخابات ليست مباراة بين برامج فقط، بل بين ميزانيات معلنة وميزانيات لا تمرّ عبر أي دفتر محاسبات. وبينما تحاول الدولة ضبط الإيقاع من خلال دعم رسمي محدود، يتحرك في الخلف لاعب آخر لا يحتاج إلى إذن أحد: اقتصاد انتخابي غير مرئي، لكنه شديد الحضور.
“الشكارة” كفاعل سياسي لا كاستثناء
في الخطاب الرسمي، يُفترض أن المال غير المعلن مجرد “انحراف” أو “سلوك معزول”. لكن الممارسة المتكررة تقول شيئاً آخر تماماً: هذا المال لم يعد استثناءً، بل جزءاً من قواعد اللعبة نفسها.
هو لا يكتفي بالتأثير في الانتخابات، بل يعيد تشكيل منطقها: من يترشح، من ينجح، وكيف تُدار الحملات، وأحياناً حتى كيف تُصاغ البرامج.
ببساطة، نحن لا نتحدث عن “تمويل غير قانوني” فقط، بل عن بنية موازية تُنتج نفوذاً سياسياً كاملاً خارج القنوات الرسمية.
مفارقة الدولة: تنظّم على الورق وتُراقب من بعيد
الدولة هنا تبدو وكأنها تدخل المباراة متأخرة، ومعها دفتر قوانين سميك… في حين أن اللعب الحقيقي بدأ منذ وقت طويل في ملعب آخر.
تمويل عمومي محدود، مراقبة قانونية، محاضر، تقارير… مقابل سيولة مالية تتحرك بلا ضجيج، لكنها تصنع الضجيج الانتخابي في يوم الاقتراع.
المفارقة الساخرة أن الدعم العمومي، بدل أن يُوازن الكفة، يبدو أحياناً كأنه “مساهمة رمزية” في نظام أكبر بكثير منه.
حين تصبح الانتخابات سوقاً بوجه ديمقراطي
في العمق، الإشكال ليس مالاً عاماً مقابل مال خاص، بل تحول العملية الانتخابية نفسها إلى سوق مفتوحة: عرض وطلب، استثمارات قصيرة المدى، ومردودية سياسية تُقاس بعدد المقاعد لا بسلامة المسار.
وفي مثل هذا السياق، يصبح الحديث عن “تكافؤ الفرص” أقرب إلى نكتة مؤدبة تُقال في اجتماع رسمي، قبل العودة إلى الواقع حيث تُحسم الأمور في أماكن لا تظهر في البلاغات.
يمكن للحكومة أن تضخ مزيداً من التمويل العمومي، ويمكنها أن تُحسن القوانين، ويمكنها أن تُنقّح النصوص إلى أقصى درجة.
لكن طالما ظل الاقتصاد الانتخابي الموازِي خارج دائرة الفعل الحقيقي للرقابة والمساءلة، فإن كل ذلك سيظل يشبه محاولة ضبط ميزان دقيق داخل غرفة تهتزّ أرضيتها باستمرار.
باختصار :
نُصلح الواجهة بدقة… ونترك الباب الخلفي مفتوحاً على مصراعيه.
وفي الخارج، لا أحد يبدو مستعجلاً على الإغلاق.







