في كل استحقاق انتخابي بالمغرب، تتغير الشعارات والوعود، لكن الوجوه تظل ثابتة في مكانها؛ وجوه قد تخسر رهان النقاش العمومي وتواجه سيلاً من الانتقادات، لكنها سرعان ما تكتسح صناديق الاقتراع، وكأن الساحة السياسية لا تعاقب أحداً بقدر ما تعيد توزيع الأدوار داخل المشهد ذاته.
ومع اقتراب المحطات الانتخابية وتصاعد النقاش حول إعادة ترتيب الخريطة السياسية، يبرز التساؤل القديم الجديد “لماذا تستمر نفس الأسماء في تصدر الواجهة رغم تراجع الثقة في قدرتها على إحداث فارق حقيقي داخل المؤسسات المنتخبة؟”.
في تشخيصه لهذه الظاهرة، يرى “عبد المالك أحرزيز” أستاذ العلوم السياسية بجامعة المولى اسماعيل “أن الأمر يعكس “عطبًا بنيويًا” داخل الأحزاب المغربية، التي لم تعد قادرة على إنتاج نخب جديدة أو خلق دينامية داخلية تسمح بتداول القيادات”.
ويضيف أحرزيز، في اتصال هاتفي مع “نيشان”، أن الإشكال يتجاوز مجرد تكرار الأسماء ليصل إلى غياب ما يسميه بـ”الصحوة الانتخابية” داخل التنظيمات، حيث تحولت “التزكيات” في حالات كثيرة إلى آلية لإعادة تدوير النخب القديمة بدل فتح المجال أمام كفاءات بديلة، في ظل ضعف التنافسية التنظيمية وغياب الديمقراطية الداخلية.
من جهته يوضح الباحث في علم الاجتماع، “زكرياء أكضيض”، أن التركيز على مسؤولية الأحزاب وحدها يغفل عن بنية ثقافية عميقة تتحكم في سلوك المواطن المغربي.
ويشير “أكضيض” في تصريح لـ “نيشان” إلى أن هذا الثبات يرتبط بذهنية “أسطورة المنقذ”، إذ يميل جزء كبير من الناخبين إلى البحث عن شخصية قادرة على التدخل وحل الأزمات الفردية أو المحلية، أكثر من اهتمامهم بالبرامج السياسية أو التقييم الموضوعي للأداء، وهو ما يفسر منح الثقة مجدداً لوجوه لم تكن يوما في مستوى التطلعات، لكنها تمتلك “الحضور” والارتباط المباشر بالواقع المحلي.
كما أن استمرار نفس الأسماء داخل المؤسسات المنتخبة يعكس حسب أحرزير تحولاً في دور الجماعات الترابية التي أصبحت فضاءً لإنتاج القرار السياسي المحلي بامتياز، مما يتطلب نخباً تمتلك خبرة التأثير والقدرة على المناورة.
هذا المعطى يتقاطع وفق أكضيض مع منطق اجتماعي يقدس “المألوف” و”المجرب”، وهي قيم تعمل حسب قوله كموجهات انتخابية حاسمة تجعل الناخب يفضل إعادة إنتاج اختياراته السابقة بدافع الاعتياد أو الخوف من المجهول، حتى في ظل توفر بدائل أخرى.
وفي قلب هذه المفارقة، يخلص مختصون في السياسات العمومية، إلى أن استمرار الوجوه السياسية ليس مجرد صدفة، بل هو نتاج تفاعل معقد بين أحزاب تعيد تدوير نخبها عبر التزكيات، وناخب يعيد إنتاج اختياراته بفعل الثقة التقليدية أو غياب البديل المقنع.
(صحافية متدربة )







