أعادت المذكرة الصادرة عن مجلس المنافسة، أمس الثلاثاء 15 أبريل الجاري، تسليط الضوء على البنية التنافسية لسوق المحروقات، مثيرة تساؤلات متجددة حول جدوى تحرير الأسعار في ظل ممارسات تبدو قانونية شكلاً، لكنها تُضعف دينامية السوق فعليا.
ورغم تأكيد المجلس عدم رصده لممارسات منافية للمنافسة بالمعنى الزجري، فإن تحذيره من “توافق مواعيد المراجعة” أعاد النقاش حول ما يشبه “احتكارا ناعماً” يُفرغ مبدأ حرية الأسعار من مضمونه، ويجعل التنافس بين الفاعلين أقرب إلى واجهة شكلية ضمن إيقاع سعري شبه موحد.
وبحسب مصادر مهنية، فإن استمرار الشركات في اعتماد رزنامة موحدة (فاتح و16 من كل شهر) لمراجعة الأسعار، وهي آلية موروثة عن مرحلة التقنين، يعكس ميلاً ضمنيا للحفاظ على استقرار مريح يحدّ من اندلاع منافسة سعرية حقيقية.
وترى المصادر ذاتها أن هذا النمط لا يمكن اعتباره مجرد عادة تجارية، بل يمثل قيداً هيكليا يحدّ من انعكاس الفوارق التشغيلية بين الشركات، سواء من حيث كلفة التزود أو تدبير المخزون أو شروط التموين. ففي سوق يفترض أنه محرر، يُنتظر أن تظهر هذه الفوارق في شكل تباينات سعرية ملموسة، لا أن تتقارب الأسعار بشكل يكاد يكون متطابقا عبر مختلف المحطات.
كما تكشف المعطيات التي تضمنها التحليل المقارن للمجلس عن اختلال في ما يمكن تسميته بـ“عدالة الانعكاس” بين السوق الدولية والمحلية. إذ لم يستفد المستهلك بشكل كامل من تراجع أسعار الغازوال، حيث ظل الانخفاض جزئياً في حدود ناقص 1.35 درهم، مقابل تسجيل ارتفاع في أسعار البنزين بوتيرة أسرع من تغيراته الدولية في حدود زائد 0.33 درهم.
ووفق مصادر من داخل القطاع، فإن هذا التباين يعكس غياب مرونة حقيقية في تسعير المحروقات، حيث تتفاعل الأسعار سريعاً مع الارتفاعات بما يحمي هوامش الربح، بينما تتباطأ عند الانخفاض بدعوى تصريف المخزون، وهو ما يعزز فرضية “تحرير شكلي” لم يغير سوى طبيعة الفاعل المستفيد.
وترى المصادر أن دعوة مجلس المنافسة إلى تطوير الممارسات التجارية بما ينسجم مع قواعد السوق، تحمل في طياتها انتقاداً ضمنيا لنموذج “التبعية السعرية” السائد. فسوق يغيب فيه الابتكار التجاري وتتراجع فيه المبادرات الفردية لصالح سلوك جماعي غير معلن، يقترب من نموذج “احتكار القلة” بآليات غير مباشرة، حيث يحرص كل فاعل على مراقبة تحركات منافسيه لتفادي الخروج عن النسق السعري العام.
ويضع هذا الواقع، وفقا للمصادر نفسها، الحكومة والهيئات التنظيمية أمام تحدي إعادة تقييم نموذج التحرير المعتمد. فالمستهلك المغربي، الذي كان يُعوّل على المنافسة لخفض الأسعار، يجد نفسه أمام صيغة هجينة تجمع بين حرية الرفع واستمرار أنماط تسعير شبه موحدة.
وتذهب المصادر إلى أن المرحلة المقبلة قد تتطلب تدخلاً أكثر حزماً من الجهات المختصة لضمان استقلالية القرار السعري لكل فاعل، وكسر ما يوصف بـ“القطيع السعري” الذي يطبع السوق حالياً.







