تحت وطأة تحولات جيوسياسية متسارعة في منطقة الشرق الأوسط، يجد الاقتصاد المغربي نفسه في صيف 2026 أمام اختبار عسير يضع توازناته الماكرو-اقتصادية على كف عفريت. فرغم لغة الأرقام المتفائلة التي ساقتها المندوبية السامية للتخطيط في مذكرتها الأخيرة، فإن تقرير المؤسسة التي يقودها شكيب بنموسى حمل في طياته تحذيرات مبطنة من مغبة ارتهان النمو الوطني بسلامة الملاحة في مضيق هرمز.
وترى مصادر اقتصادية تحدثت لـ”نيشان” أن التوقع ببلوغ معدل نمو قدره 4.7 في المائة خلال الفصل الثاني من السنة الجارية لا يبدو شيكاً على بياض، بل يظل رهين فرضية استعادة الاستقرار في منطقة الخليج وتأمين تدفقات الطاقة العالمية، وهو ما يطرح تساؤلات حارقة حول مدى قدرة “جيوب المغاربة” على الصمود أمام موجة تضخمية قد يؤججها الصراع الإيراني المشتعل.
وتضيف المصادر ذاتها أن الربط المباشر الذي أقامته مندوبية بنموسى بين سعر برميل “برنت”، المتأرجح ما بين 85 و100 دولار، وبين استقرار الأسعار محلياً، يعكس هشاشة القطاعات الإنتاجية أمام الصدمات الخارجية. فبينما يراهن المغرب على تعافي القطاع الفلاحي وصمود الطلب الداخلي لتعويض تباطؤ الاستثمارات، تبرز التوترات في مضيق هرمز كخطر داهم قد يرفع تكاليف النقل والإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة.
هذا السيناريو، الذي وصفته المصادر بـ”المحيط المكتنف بعدم اليقين”، يعني عملياً أن أي تصعيد عسكري جديد أو تعثر في إعادة تأهيل البنيات التحتية الطاقية المتضررة سيؤدي مباشرة إلى تآكل القوة الشرائية للأسر، التي يُتوقع أن يرتفع استهلاكها بنسبة 4.2 في المائة، وهي نسبة قد تتبخر إذا ما قفزت أسعار المحروقات فوق مستوياتها الحالية.
وفي قراءة متأنية لمسارات انتقال الأزمة، يبدو أن الصدمة لن تتوقف عند حدود محطات الوقود، بل ستمتد لتضرب مفاصل حيوية في النسيج الصناعي المغربي، إذ تشير المعطيات الرسمية إلى أن قطاعات الصيد البحري والصناعات الكيماوية والصلب ومواد البناء ستكون أولى الضحايا لتشديد التوترات في أسواق الطاقة.
وتؤكد مصادر مهنية أن الضغوط التضخمية، التي ظلت “مقيدة جزئياً” بفضل التدابير الحكومية لكبح أسعار النقل والآثار المطرية الإيجابية، قد تنفلت من عقالها إذا ما تجاوز النفط حاجز المائة دولار لفترة طويلة، ما سيجبر المقاولات على نقل عبء التكاليف الإضافية إلى المستهلك النهائي، وهو ما يضع “التعافي الاجتماعي” المحقق في الشهور الأخيرة على المحك.
وبناء عليه، تكمن المفارقة التي كشفت عنها مذكرة المندوبية في كون النمو المتوقع يعتمد بشكل وازن على ما يسمى “أثر قاعدة الأساس”، أي المقارنة بأداء السنة الماضية، وهو ما قد يعطي انطباعاً مضللاً بالرخاء، في حين يشير الواقع الميداني إلى اعتدال في نفقات الاستثمار وزيادة حذرة في تكوين الرأسمال الثابت بنسبة 3.8 في المائة.
ويترجم هذا الحذر الاستثماري تخوف الفاعلين الاقتصاديين من “سيناريو الأسوأ” في الشرق الأوسط، حيث يظل تأمين الملاحة في مضيق هرمز صمام الأمان الوحيد لمنع انزلاق الاقتصاد الوطني نحو دوامة الركود التضخمي.
ومع اقتراب الفصل الثالث من عام 2026، تظل آمال المغاربة معلقة على انفراجة دبلوماسية تُبرد لهيب الأسعار الدولية، قبل أن تضطر الحكومة إلى اتخاذ تدابير حمائية أكثر صرامة للحفاظ على توازنات الميزانية، في ظل سياق دولي لم يعد يرحم الاقتصادات الناشئة المرتبطة طاقياً بالخارج.







