لم يعد يفصل الفاعلين السياسيين في المغرب عن “زلزال” صناديق الاقتراع المقررة في 23 شتنبر 2026 سوى أشهر قليلة، لكن المشهد لا يوحي بوجود معارك برامجية بقدر ما يشي بـ “سباق تموقع” محموم تسعى فيه المركزيات الحزبية إلى تسويق جاهزيتها لقيادة دفة الحكومة المقبلة.
وفي هذا السياق، يضع الخبير الاقتصادي إدريس الفينة المشهد السياسي المغربي تحت مجهر التشريح، معتبراً أن الاستحقاق المقبل ليس مجرد محطة روتينية لتجديد النخب، بل هو “امتحان عسير” لقدرة المنظومة الحزبية على إنتاج فاعل قيادي يمتلك مشروعية الإنجاز، لا مشروعية الأرقام والنتائج العددية فحسب.
ويرى الفينة، في ورقة تحليلية تشاطرها على صفحته بفيسبوك، أن ثمة بوناً شاسعاً بين “الطموح إلى الصدارة” وبين “امتلاك مقومات القيادة”؛ فالعديد من الأحزاب التي تستعرض عضلاتها الإعلامية اليوم تفتقر في جوهرها إلى الامتداد الترابي والانضباط التنظيمي الكفيل بتحويل الخطاب إلى ثقة انتخابية.
ومع اعتماد “هندسة انتخابية” تجعل من الهيمنة البرلمانية ضرباً من الخيال، فإن معركة “الحزب الأول” لم تعد تُحسم بمنطق الشعبية الجارفة، بل بالقدرة على التحرك داخل مشهد مشظى صُمم ليكون “صمام أمان” يوزع القوة بين فاعلين متعددين، مما يجعل من الفوز بالرتبة الأولى مجرد “نصر عددي” ما لم يقترن بكاريزما قيادية وشرعية مجتمعية.
الصورة القاتمة التي رسمها الفينة تستمد واقعيتها من لغة الأرقام الصادمة؛ إذ يستحضر تقارير “البارومتر العربي” و”أفروباروميتر” لعام 2026، والتي تظهر هوة سحيقة من الارتياب بين المواطن والمؤسسات الحزبية، حيث لا تتجاوز الثقة في الحكومة ورئيسها عتبة الـ 33%. هذا “الاغتراب السياسي” يزداد حدة لدى فئة الشباب التي تمثل الكتلة الناخبة الوازنة، والتي لم تعد ترهن صوتها للمسارات التاريخية أو النضالية للأحزاب، بل تقيس الفعالية بمدى القدرة على لجم البطالة ومواجهة الضغوط المعيشية وتآكل القدرة الشرائية، وهي القضايا التي تقع في صلب الوعي العام اليوم.
وعلى مستوى الفاعلين، يحلل الفينة مآلات القوى الأربع الكبرى بكثير من الحذر؛ فـ “الأحرار” يواجهون تحدي الحصيلة ورهان الانتقال القيادي لـ “محمد شوكي” في غياب منافسة داخلية، بينما يراوح “الاستقلال” مكانه كخيار توافقي “جاهز دائماً” لكنه يفتقر للقدرة على خلق موجة تعبئة وطنية. وفي المقابل، يظل “الأصالة والمعاصرة” رهين تجربة “القيادة الجماعية” التي تثير التساؤل حول مدى قدرتها على الحسم، فيما يبدو “العدالة والتنمية” الأكثر حيوية في “المعارضة الخطابية” لكنه الأقل “قابلية ائتلافية” للعودة إلى التدبير.
وأمام هذا التشابه في اللغة العامة والمحدودية في التمايز البرامجي، يخلص الفينة إلى أن معضلة 2026 لا تكمن في “من سيفوز”، بل في مدى قدرة الانتخابات على إفراز حكومة تملك “الوضوح السياسي” الكافي لتنفيذ إصلاحات الدولة الكبرى دون أن تصطدم بجدار الرفض المجتمعي.






