سلط تقرير لوكالة “رويترز” للأنباء الضوء على التحول الجذري الذي تشهده الضيعات الفلاحية بمنطقة سوس، حيث باتت اليد العاملة المنحدرة من دول جنوب الصحراء تشكل الشريان الأبهر لقطاع الصادرات الزراعية المغربية. ففي قلب الأراضي الخصبة بضواحي أكادير، وتحديداً في منطقة “آيت عميرة”، لم تعد الشاحنات المحملة بالمهاجرين مجرد مشهد عابر، بل صارت واقعاً اقتصادياً يملأ الفراغ الذي خلفه نزوح الشباب المغربي نحو الحواضر بحثاً عن فرص في قطاعات البناء والخدمات، مما جعل من المملكة وجهة استقرار نهائية للكثيرين بدل كونها مجرد نقطة عبور نحو الفردوس الأوروبي.
ووفق ما ورد في تقرير “رويترز”، فإن هذا التدفق البشري نحو مزارع “اشتوكة آيت باها” ساهم بشكل مباشر في استقرار وتيرة الإنتاج داخل الصوبات الزراعية التي تمون كبريات الأسواق الأوروبية والإفريقية، خاصة في ظل تراجع محاولات الهجرة غير النظامية نحو الشمال نتيجة تشديد الرقابة الحدودية.
وتجسد هذه المنطقة، التي تؤمن أزيد من 80% من صادرات المغرب من الخضر والفواكه، “المختبر” الأول لهذا التحول الديموغرافي، حيث تحولت بلدة “آيت عميرة” إلى قطب جاذب للعمالة الإفريقية، ليرتفع عدد سكانها أربعة أضعاف خلال العقود الأخيرة، مدفوعة بطلب متزايد على سواعد المهاجرين لسد الخصاص في قطاع فقد نحو 1.7 مليون وظيفة منذ مطلع الألفية.
ويعزو المهنيون هذا النقص الهيكلي إلى تغيرات سوسيولوجية عميقة؛ فبينما يطالب العمال المغاربة بأجور مرتفعة تفضل نظام “العمل بالقطعة”، يجد المهاجرون الأفارقة في العمل الفلاحي بديلاً كريماً عن حياة الهامش، برواتب تقارب 100 درهم يومياً.
وحسب تصريحات استقتها الوكالة من فاعلين في قطاع الفلاحة، فإن استمرارية العديد من المزارع باتت رهينة بوجود هذه العمالة، وسط دعوات لتسهيل إجراءات تسوية وضعيتهم القانونية لدمجهم بشكل رسمي، خاصة مع توقعات بتفاقم أزمة اليد العاملة مع اقتراب أوراش “مونديال 2030” التي ستسحب ما تبقى من يد عاملة قروية نحو المدن.
وفي موازاة الرهانات الاقتصادية، تبرز قصص اندماج إنسانية تعيد تشكيل وجه الريف المغربي؛ حيث تشير الشهادات إلى استقرار عائلات إفريقية بصفة نهائية، وانصهار أبنائها في المنظومة التعليمية والاجتماعية المحلية، لدرجة إتقانهم للأمازيغية والدارجة المغربية.
ورغم أن حلم “إلدورادو” الأوروبي لا يزال يراود البعض، إلا أن واقع الشغل في ضيعات سوس يفرض نفسه كخيار واقعي للاستقرار، في وقت لم يعد فيه المغرب يملك ميزة “العمالة المحلية الرخيصة”، مما يضع السياسة الفلاحية والاجتماعية أمام تحدي تدبير هذا التنوع الجديد وضمان تنافسية المنتوج الوطني في الأسواق الدولية.







