في خطوة أثارت الكثير من الجدل في الأوساط المهتمة بالتاريخ والتراث الوطني، تحولت “خلوة العباد” بموقع شالة الأثري في الرباط إلى “مطعم فاخر” يقدم المشروبات الكحولية، وهو ما اعتبره باحثون ومتابعون مساسا بالهوية الروحية والتاريخية لهذا المعلم الذي ظل لقرون رمزًا للتصوف ومنارة للعلم في الغرب الإسلامي.
الواقعة، التي رصدها زوار الموقع مؤخرا، تأتي في سياق تحولات كبرى شهدتها إدارة موقع شالة، بعد أن قررت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، التي يقودها المهدي بنسعيد، حذف الموقع من قائمة المعالم التاريخية التابعة لها، وإسناد مهمة تدبيره لشركة التنمية المحلية “الرباط الجهة للتراث التاريخي”.
هذا الانتقال من التدبير القطاعي المباشر إلى منطق “الاستثمار السياحي” أفرز قرارات بدأت برفع صاروخي لأسعار التذاكر لتصل إلى 70 درهما، وانتهت بتفويت فضاءات ذات حمولة دينية وتاريخية حساسة للاستغلال الفندقي والمطعمي.
وتعتبر “خلوة العباد”، الواقعة على يسار الداخل من الباب الرئيسية لشالة، جزءًا لا يتجزأ من المقبرة المرينية التاريخية، وهي الفضاء الذي احتضن في القرن الرابع عشر ميلادي النهضة الصوفية المغربية على يد الشيخ عبد الله اليابوري، الذي اختار هذا الموقع الموغل في القدم للقاء مريديه، ومن بينهم القطب سيدي بن عاشر.
ويؤكد مؤرخون أن هذا الفضاء لم يكن مجرد أطلال، بل هو خزان للإرث الروحي الذي امتد أثره ليشمل أعلاماً كبارا مثل ابن عباد الرندي، شارح “الحكم العطائية” وإمام القرويين، مما جعل سلاطين بني مرين يصفون الموقع في مراسلاتهم بـ”المدينة المقدسة”.
المعطيات المتداولة تزامنت أيضا مع أشغال تهيئة باشرتها شركة “A .D”، التي حازت صفقات داخل الموقع، من بينها مشروع مرتبط بما يوصف بـ”فندقية شالة” بكلفة تناهز 3 ملايين درهم.
ورغم أن البلاغات الرسمية للشركة المكلفة بالتدبير تتحدث عن “إدارة مبتكرة” و”تعزيز القيمة السياحية والثقافية للموقع”، فإن عدداً من المتابعين يرون أن بعض هذه التحولات، في حال تأكدت طبيعتها، تطرح إشكالات مرتبطة بمدى احترام الخصوصية الرمزية لفضاءات تضم أضرحة وشواهد تاريخية، من بينها مدافن تعود إلى الحقبة المرينية وشهداء معركة طريفة.







