لم يكن مشروع القانون الرامي إلى تقييم وتصنيف جبهة البوليساريو الانفصالية منظمة إرهابية أجنبية الذي تقدم نواب بالكونغرس الأمريكي (جمهوريين وديمقراطيين ) بتاريخ 13 مارس 2026″، و لا الدعوة إلى إغلاق مخيمات جبهة البوليساريو القابعة في تندوف، في ظل التحولات التي يشهدها ملف الصحراء، وعلى رأسها تبني الأمم المتحدة مقترح الحكم الذاتي المغربي كأرضية للحل السياسي، إلا تعبيرا على أن ملف الصحراء المغربية دخل مرحلة الحسم ، من خلال المسارات التي سلكها منذ ما يزيد عن نصف قرن. فالمغرب كباقي الأمم التي عانت من نير الاستعمار، لم يدخر جهدا لتحرير ثغوره المغتصبة. و قضية أقاليمنا الجنوبية من أكبر القضايا في التاريخ المعاصر، حيث استمر احتلالها منذ سنة 1884و إلى غاية سنة 1975 تاريخ تنظيم المسيرة الخضراء لحمل إسبانيا على تسليمها للمغرب صاحب السيادة عليها، وأصبح سادس نونبر من كل سنة تخليدا لذكرى هذه الملحمة الوطنية التي، من خلالها، أثبت المغرب للعالم صدقية و عدالة قضيته، و التي نخلد هذه السنة ذكراها الخمسون.
لقد كانت سنة 1974 بمثابة الفرصة التي أعادت طرح إشكالية الصحراء على المستوى الدولي(منذ سنة 1963 جعلته لجنة تصفية الاستعمار ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي)، حينما رفضت السلطات الاستعمارية الاسبانية تسليم إقليم الصحراء إلى المغرب بعدما تخلت عن مستعمراتها الشمالية بعد حصول المغرب على استقلاله، و سلمت المغرب إقليم طرفاية في سنة 1958 ثم إقليم سيدي إفني في سنة 1969، مع تحفظها على مدينتي سبتة و مليلية. و هذا الرفض كان يبرره منطق واحد، مخطط إنشاء دولة مستقلة ذات حكومة محلية تحت وصاية و سيطرة إسبانية، باعتبار الموقع الجيو-استراتيجي الذي تتمتع به الصحراء الغربية التي تمتد على طول الواجهة الغربية للساحل الأطلسي؛ و لأجل ذلك أعلنت، وبشكل أحادي، في غشت من سنة 1974 عن قرارها بتنظيم استفتاء في الصحراء خلال النصف الأول من سنة 1975، وكان موقف عاهل البلاد حاسما من خلال رسالة مستعجلة إلى رئيس الدولة الاسباني يشعره فيها بقلق الحكومة المغربية و بعزمها على معارضة هذه الخطوة الانفرادية و في كونها أيضا لا تتطابق مع مضمون قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي نفس الآن تم إرسال مبعوثين إلى مختلف الدول لعرض وجهة النظر المغربية من قضية الصحراء.
وبسبب رفض الحكومة الاسبانية لطلب المغرب بعرض النزاع على أنظار محكمة العدل الدولية للبت فيه، وفي 18شتنبر 1974 أعلن الملك الراحل الحسن الثاني عزمه على عرض قضية الصحراء على أنظار محكمة العدل الدولية من أجل تحديد المركز القانوني للإقليم، و بالفعل تقدم المغرب بطلب استشاري إلى المحكمة بعد مطالبته للجمعية العامة بإيقاف كل عملية تتعلق بإجراء استفتاء في الصحراء الغربية إلى غاية معرفة رأي محكمة العدل الدولية في القضية. وتبعا لهذا الطلب أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 3292 بتاريخ 13ديسمبر 1974 طلبت فيه من محكمة العدل الدولية إصدار رأي استشاري حول السؤالين التاليين : الأول: هل كانت الصحراء المغربية (الساقية الحمراء ووادي الذهب ) عند استعمارها من قبل إسبانيا أرضا لا مالك لها؟ والثاني: في حالة الإجابة السلبية على السؤال ما هي الروابط القانونية التي كانت قائمة بين هذا الإقليم و كل من المملكة المغربية و الكيان الموريتاني؟ وبأغلبية 13 صوتا (من أصل 16) أكدت بأن الصحراء الغربية كان لها مالك قبل الاستعمار الاسباني .أما فيما يتعلق بالسؤال الثاني أجابت المحكمة بأغلبية 14 صوتا بأن المواد و المعلومات المقدمة إليها تؤكد وجود روابط قانونية وولاء وبيعة وقت الاستعمار الاسباني بين سلطان المغرب و بعض القبائل التي تقيم بإقليم الصحراء الغربية، لكنها تحفظت عن المواد المقدمة لها بكونها موادا لا تقيم الدليل القاطع على وجود روابط السيادة الإقليمية بين هذا الإقليم وكل من المملكة المغربية و الكيان الموريتاني. و تشبث المغرب بكون المعاهدات الرسمية التي تدين بالولاء للسلطان تكفل لها الحق في فرض سيادتها على الصحراء الغربية.وقد رأت الحكومة المغربية أن هذا الولاء قد استمر على مدى عدة قرون قبل الاحتلال الإسباني وأن ذلك يعد رابطًا قانونيًا وسياسيًا في الوقت نفسه. فعلى سبيل المثال، قام السلطان الحسن الأول بإرسال بعثتين عام 1886 لوضع حد للغزو الأجنبي لهذه المنطقة ولتعيين العديد من الجباة والقضاة بشكل رسمي. وخلال عرض القضية على محكمة العدل الدولية، أشارت الحكومة المغربية إلى جباية الضرائب كدليل آخر على ممارستها لحق السيادة. كما أشارت إلى أن ممارستها للسيادة قد اتضحت على مستويات أخرى، مثل تعيين المسئولين المحليين وضباط الجيش وتحديد المهام المنوطة بهم..وكذا زيارة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه سنة 1958 لمنطقة محاميد الغزلان لتجسيد التلاحم الوثيق والترابط المتين بين الشعب وسلاطين المغرب و تلقين الأجيال الصاعدة تاريخ الكفاح لاسترداد الثغور المغتصبة من أيدي الاستعمار.
علاوةً على ما سبق، فقد قدمت الحكومة المغربية مجموعة من الحجج لتعزيز موقفها من قبيل العديد من المعاهدات التي أبرمتها مع دول أخرى كمعاهدتها مع إسبانيا عام 1861 ومع الولايات المتحدة الأمريكية عامي 1786 و1836 ومع بريطانيا العظمى عام 1856. وعلى الرغم من ذلك، فإن المحكمة الدولية قد قضت بأن المراسيم المحلية أو الدولية التي يستند إليها المغرب لا تشير إلى وجود روابط دالة على السيادة الإقليمية بين الصحراء الغربية ودولة المغرب أو حتى وجود اعتراف دولي بتلك الروابط.
في ظل هذا الوقت كثف الدبلوماسية المغربية جهودها التي أتت بنتائج إيجابية، منها الطلب الذي وجهته السعودية إلى إسبانيا بتاريخ 1 أكتوبر1974 باسم كافة الدول العربية على التعجيل بحل قضية الصحراء المغربية. وكذا تصريح السكرتير العام لمنظمة الوحدة الإفريقية ( عيدي أمين) بتاريخ 14 مارس 1975 الذي أكد على مساندة المنظمة للمغرب بجميع الوسائل الممكنة من أجل تحرير أراضيه المغتصبة. وكذا الإجراء الذي أقدمت عليه حكومة كوت ديفوار (ساحل العاج) بتاريخ 25 مارس 1975 عندما وضعت السيد “ألفونسو بونسي” ليمثل المغرب في محكمة العدل الدولية…
لكن، بعد الاعتراف الصريح للمحكمة بالحقوق المغربية على صحرائه عن طريق تأكيد روابط البيعة التي تربط شيوخ القبائل الصحراوية بالعاهل المغربي الحسن الثاني؛ لم يجد المغرب بدا من الإقدام على تنظيم مسيرة سلمية خضراء نحو الصحراء ، هذه التظاهرة الجماهيرية ذات هدف استراتيجي، شارك فيها 350 ألف متطوع مغربي (%10 في المائة من النساء) بتاريخ 6 نونبر 1975. ساعات قليلة بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية، ومن مراكش (16/10/1975) كان خطاب الملك الراحل الحسن الثاني الذي شد أنفاس المغاربة وألهب حماسهم، وجاء فيه :”…لم يبق شعبي العزيز إلا شيء واحد، أن نقوم بمسيرة خضراء من شمال المغرب إلى جنوبه ومن شرق المغرب إلى غربه، علينا أن نقوم كرجل واحد بنظام وانتظام لنلتحق بالصحراء ولنصل الرحم مع إخواننا في الصحراء..”. وكانت نقطة الالتقاء والانطلاق مدينة طرفاية، وفي 5 من نوفمبر سنة 1975 خاطب عاهل البلاد المغاربة الذين تطوعوا للمشاركة في هذه المسيرة قائلا : “غدا إن شاء الله ستخترق الحدود, غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة الخضراء, غدا إن شاء الله ستطئون طرفا من أراضيكم وستلمسون رملا من رمالكم وستقبلون ثرى من وطنكم العزيز”. وفي هذا التاريخ بالذات تم تحطيم الحدود الوهمية التي وضعتها إسبانيا. هذا الحدث الكبير الذي شد أنظار العالم و حظي بتغطية إعلامية وطنية ودولية واسعة.
وفي 9 نوفمبر 1975 أعلن الملك الحسن الثاني أن المسيرة الخضراء حققت المرجو منها وطلب من المشاركين في المسيرة الرجوع إلى نقطة الانطلاق -أي مدينة طرفاية-. وكان جلاء آخر جندي إسباني يوم 28/02/1976. و قد صرح الملك الحسن الثاني في كتاب -ذاكرة ملك- مجيبا عن سؤال الصحفي الفرنسي “اريك لوران” في أي وقت بالضبط قررتم وقف المسيرة الخضراء؟: ..”في الوقت الذي أدركت فيه جميع الأطراف المعنية أنه يستحسن أن تحل الدبلوماسية محل الوجود بالصحراء.
هذه الخطوة أحدثت زلزالا قويا داخل إسبانيا و خلط جميع أوراق حكومتها مما دفعها إلى التفاوض مع المغرب بشأن قضية الصحراء. وفعلا تمت القمة الثلاثية مابين المغرب وموريتانيا و إسبانيا توجت بالتوقيع على تصريح مدريد الثلاثي بتاريخ 14 نونبر 1975 الذي حدد فترة إنتقالية لمدة ثلاثة أشهر يخضع خلالها إقليم الصحراء الغربية) 266 ألف كلم2) لإدارة ثلاثية يليها تسليم إسبانيا للسلطات إلى كل من المغرب وموريتانيا مع احترام إرادة السكان الصحراويين المعبر عنها من طرف الجماعة الصحراوية برئاسة السيد الحاج “خطري الجماني”.. وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقية وصادقت عليا -الجماعة- التي أكدت في اجتماعها بالعيون يوم 26 فبراير 1976 مغربية الصحراء. وبذلك تم وضع حد نهائي للوجود الأسباني بالمنطقة وتم احترام موقف سكانها المعبر عنه من طرف الهيئة الصحراوية الوحيدة ذات طابع التمثيلي الحقيقي. ”
وقد تمت المفاوضات طبقا للفصل 33 من ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الذي عقد عدة جلسات بطلب من إسبانيا بعد الإعلان عن المسيرة الخضراء. و دعا مجلس الأمن في قراراته الأطراف المعنية إلى التحلي بضبط النفس والاعتدال وتجنب كل عمل من جانب واحد من شأنه تصعيد التوتر. كما أشار المجلس في قراره (6 نونبر 1975 )إلى ضرورة التعاون مع الأمين العام للتوصل إلى حل سياسي متفاوض بشأنه. و قد أثبت هذا المسلسل أن المغرب كان ملتزما تمام الالتزام بالشرعية الدولية في استكمال وحدته الترابية.
بعد أربعة أيام على انطلاق المسيرة الخضراء المظفرة، بدأت اتصالات دبلوماسية مكثفة بين المغرب و إسبانيا للوصول إلى حل يضمن للمغرب حقوقه على أقاليم الصحراء، بيد أنه تزامنا مع إعلان المغرب عن نيته في تنظيم المسيرة، فوجئ الجميع بإعلان الجزائر بتاريخ 21 أكتوبر 1975 عن اتخاذها رسميا موقفا معارضا لقرار المغرب بتنظيم المسيرة الخضراء. بل أقدمت على دعم وتوجيه ماسمي “بالجمهورية الصحراوية تحت قيادة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب أو ما يعرف بالبوليساريو” بتاريخ 27فبراير 1976 مما عجل بالإعلان رسميا بتاريخ 7مارس 1976 عن قطع العلاقات الدبلوماسية المغربية الجزائرية. بل ولم يتوقف التحرك الجزائري فقط عند حد السعي لكسب اعترافات دولية بما أسمته بالجمهورية الصحراوية، بل تعدى الأمر إلى حد العمل على الترويج لفكرة المفاوضات على صعيد منظمة الأمم المتحدة و التجمعات الدولية حيث استغلت منابر هذه المؤسسات و المؤتمرات لتحقيق مكاسب دعائية وسياسية عن طريق الدعوة إلى الدخول في مفاوضات مباشرة بين المغرب و البوليساريو، والتي تعني بموافقة المغرب على ذلك الاعتراف السياسي الضمني بهذه الحركة؛ وقد مرت إلى السرعة القصوى وذهبت إلى حد تصفية أحد رموز حركة التحرير الجزائرية (محمد بوضياف) سنة1992، بعد استقدامه من المغرب وتنصيبه رئيسا ،ومن تم إقبار توجهاته المؤيدة لمقاربة المغرب لحل النزاع المفتعل بالصحراء، كما كانت وراء أعمال تخريبية استهدفت المغرب(أحداث آسني بمراكش سنة 1994)، ناهيك عن الانتهاكات الجسيمة، اغتصاب وسبي للنساء وقتل أزواجهن تحت التعذيب التي تقترفها عصابة البوليساريو بمخيمات تندوف بحق المحتجزين و بمباركة الراعي الجزائري (“ تقرير منتدى فرصة للحكم الذاتي في تندوف” ، “فورساتين” سنة 2024).
لقد كان لهذه السياسة التي تبناها خصوم المغرب منذ تفجر الازمة، دور كبير في إقرار المخطط الأممي لإجراء الاستفتاء في الصحراء سنة1988، مقترح حل النزاع في الصحراء ووقف إطلاق النار كان بالغ الأهمية في ذلك الوقت ، وتسبب في غضب عارم لدى الخصوم ، الذين لم يتوقعوا طرح مبادرة الأمين العام دون الرجوع إليهم. وكان السيد ” خافير بريز ديكوييار”يحترم السيادة المغربية بألا يكون التفاوض مع البوليساريو بشكل مباشر كما جاء في الرسالة الجوابية للحسن الثاني بتاريخ 6 أبريل 1986، (مذكرات الدبلوماسي محمد التازي)، حيث أصر على حضور رئيس منظمة الوحدة الإفريقية (عبدو ضيوف) أو ممثله الخاص في مبادرة المساعي الحميدة، تعبيرا عن تشبث المغرب بهويته الإفريقية ( رغم انسحابه منها سنة 1984 ، وهو العضو المؤسس، بسبب إقحام الكيان المزعوم فيها.. !؟). وبالفعل تم الشروع في مفاوضات بنيويورك بتاريخ 8 أبريل 1986 بشكل منتظم. ومنذ ذلك الحين دخلت القضية في سلسلة من التسويات والمفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة. و في 29 نيسان/أبريل 1991، قرر مجلس الأمن (رقم690) أن ينشئ بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو: MINURSO) وفقا لتقرير الأمين العام ، (S/22464) مهمتها الأساسية تنظيم استفتاء في منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها، لتقرير مصير سكانها وحفظ السلام ومراقبة تحركات القوات المتواجدة في الصحراء الغربية. (يقع مقرها الرئيسي بمدينة العيون ولها 11 مركزا في الصحراء وفي مخيمات اللاجئين الصحراويين قرب مدينة تندوف الجزائرية). ولتحصين أراضيه قام المغرب، بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني، ببناء جدار عازل ( ترابي/ رملي) في الثمانينات من القرن الماضي على طول 2700 كم بهدف أساسي هو إقامة حزام أمني لإيقاف هجمات حرب عصابات البوليساريو وحماية المثلث المفيد (العيون ، السمارة وبوكراع)؛ وفي عام 2020 تم تمديد هذا الجدار في منطقة “الكركرات” عند الحدود الموريتانية، لتأمين حركة المرور المدنية والتجارية.
“المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها” عبارة تربط الماضي بالحاضر . فإذا كان الملك الحسن الثاني مبدع المسيرة الخضراء المظفرة وقال للمغرر بهم “إن الوطن غفور رحيم” ( خطاب 6 نونبر 1996)؛ فإن محمد السادس الذي تسلم المشعل وبهذا اليقين يؤكد، في خطاب الذكرى 39 للمسيرة الخضراء (6 نوفمبر 2014)، أن الصحراء جزء لا يتجزأ من التراب الوطني، ويشدد على أن المغرب سيظل في أقاليمه الجنوبية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، في إشارة إلى استمرار الدولة في تنمية وتدبير المنطقة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا… وتقديم المغرب بمقترح الحكم الذاتي (2007) تحت السيادة المغربية، تماشيا مع الجهوية الموسعة (كما أقرها دستور 2011) ، ما هو إلا تجسيدا لحكامة دبلوماسية تضافر ت فيها جهود السياسيين والمنتخبين والمجتمع المدني… تحت القيادة الفعلية لملك البلاد.
لقد حظيت مغربية الصحراء باعتراف دولي متزايد، تقوده قوى كبرى تدعم مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد. أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية (اعتراف رسمي 2020)، فرنسا (دعم صريح 2024)، وإسبانيا، بالإضافة إلى بريطانيا و أكثر من 113 دولة، بما في ذلك دول أوروبية، عربية، وإفريقية، سحبت اعترافها بـ “البوليساريو” أو تدعم سيادة المغرب. و تم فتح أكثر من 30 قنصلية في العيون والداخلة لدول عربية، إفريقية، ومن أمريكا اللاتينية.
وكان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية(مسعد بولس)، قد صرح بأن الوقت حان لإيجاد حل نهائي ودائم لقضية الصحراء الغربية، مشيرا إلى أن الرئيس ترامب شدد على سيادة المغرب على الصحراء ( و ذلك منذ عام 2020)وأن واشنطن تنوي افتتاح قنصلية فيها قريبا، في إطار دبلوماسية فاعلة تعزز الوحدة الترابية.
وتتويجا لهذه المجهودات، شكل القرار رقم 2797 (2025) بشأن الصحراء الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي تحوّلا جديدا في ملف الصحراء المغربية وحدثا تاريخيا في مسار النزاع المفتعل، القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها صاحبة القلم في الملف.( صوت عليه 11 عضواً من أصل 15، فيما امتنعت روسيا والصين وباكستان عن التصويت، في حين اختارت الجزائر كعادتها الانسحاب، وهو سلوك شاذ في تاريخ التصويت بمجلس الأمن الدولي).
ويهدف القرار، الذي أصدر الديوان الملكي بلاغا يجعل من 31 أكتوبر من كل سنة “عيد الوحدة”، إلى تمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة (مينورسو) للاستفتاء في الصحراء الغربية حتى 31 أكتوبر 2026. ودعم الحكم الذاتي و التأكيد على تفوق المقاربة المغربية في نزاع الصحراء، ويدعم الدبلوماسية الأممية نحو حل سياسي نهائي يضع حداً للنزاع المستمر، و لم يكتف بتمديد ولاية المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026، بل طلب من الأمين العام “أنطونيو غوتيريش” الذي كان قد حذر من تدهور الوضع في الصحراء الغربية و على مخاطر استمرار الوضع الراهن على الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي… طلب منه تقديم مراجعة استراتيجية لولاية البعثة في غضون ستة أشهر، مع أخذ تطورات العملية السياسية بعين الاعتبار و حث الأطراف (المغرب، البوليساريو، الجزائر، وموريتانيا) على استئناف المفاوضات بحسن نية دون شروط مسبقة. مع استمرار المطالبة بتقرير مصير شعب الصحراء الغربية ضمن إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية وهو الحل الأكثر جدوى وواقعية. ( سيقوم المغرب بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي وتقديمها للأمم المتحدة لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض، باعتبارها الحل الواقعي والقابل للتطبيق).
وفي نفس السياق، فقد احتضنت مدريد المشاورات بين الأطراف الأربعة تحت رعاية السفير الأمريكي بإسبانيا في فبراير 2026، قبل أن تتواصل المساعي لاحقا في واشنطن. أهمية هذه اللقاءات لا تكمن فقط في انعقادها، بل في أنها كرست من جديد صيغة الطاولة المستديرة، وأعادت تأكيد الجزائر طرفا أساسيا لا مجرد “بلد ملاحظ”، كما أنها جرت في مناخ سياسي باتت فيه المبادرة المغربية هي الأرضية العملية الوحيدة المطروحة للنقاش الجدي. ومن هنا تجدر الإشارة ، أن هذه المبادرة تأتي في لحظة لم يعد فيها هذا الملف يتحرك داخل الإحداثيات القديمة نفسها، بل داخل ميزان دولي يتجه أكثر فأكثر نحو تضييق هامش الجمود ودفع المسار الأممي إلى التكيف مع واقع جديد تشكل بوضوح لصالح المغرب الذي لم ينتظر أن تمنحه الأطراف الأخرى مخرجا، بل أعاد بناء موازين الملف بنفسه، عبر توسيع قاعدة الاعتراف والدعم، وتحويل الحكم الذاتي من عرض تفاوضي إلى مرجعية سياسية دولية، وجعل خصومه يتحركون داخل ملعب لم يعودوا هم من يرسم حدوده.
وتجدر الإشارة ، في هذا الصدد، إلى أن الجارة الشرقية قد قررت تفعيل معاهدة الصداقة والتعاون وحسن الجوار(الموقعة مع إسبانيا منذ سنة 2002 )، بعد إيقاف العمل بها في يونيو 2022، كرد فعل على إعلان إسبانيا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل لنزاع الصحراء المغربية، و اتخاذ إجراءات دبلوماسية واقتصادية للضغط على مدريد تبن مع مرور الوقت محدوديتها لكلفتها الاقتصادية و..، الشيء الذي شكل ضغطا و أقرب إلى الضرورة لصانع القرار، أكثر منها مبادرة طوعية. براغماتية تعكس رغبة الجزائر في إعادة التموضع ضمن خريطة الفاعلين المؤثرين في نزاع الصحراء.
غير أن هذا التطور لا ينبغي عزله عن مساره الحقيقي، لأن ما يجري جاء نتيجة مباشرة لتراكم سياسي ودبلوماسي صنعه المغرب نفسه بقيادة الملك محمد السادس، حين اختار نقل القضية من منطق التدبير إلى منطق التغيير، ومن رد الفعل إلى المبادرة والحزم والاستباقية ( خطاب افتتاح السنة التشريعية في أكتوبر 2024). هذا التحول الاستراتيجي هو الذي أعاد تشكيل البيئة الدولية المحيطة بالملف، وجعل الأمم المتحدة نفسها، ثم العواصم الكبرى، تتعامل مع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لا كأحد الخيارات، بل كأساس الحل الوحيد والنهائي القابل للتطبيق.
إن منطق الحكمة والبراغماتية، الذي يفرضه تطور العلاقات الدولية اليوم بدل الانفعال، هو ما يفسر نجاعة المقاربة المغربية التي تقوم على وضوح الرؤية وتوازن المصالح وبناء الثقة، في إطار دينامية دبلوماسية متدرجة ومؤطرة بخيارات استراتيجية طويلة المدى حتى استعادة الثغور الغالية إلى حضن الوطن.
الصحراء المغربية؛ من مشروع الحكم الذاتي إلى مرجعية سياسية دولية..







